قيل : لما ذكر في الآيتين المتقدمتين ذم اليهود وغيرهم من الكفار ، وبيّن أن اتفاقهم مع كفرهم غير مقبول منهم ، وصل ذلك بقوله : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ) ، لئلا يقرر أن الانفاق غير مغن على جميع الوجوه ، فقال : وأنتم أيها المؤمنون إذا أنفقتم فإنما نقبل منكم على هذا الشرط ، ثم رجع إلى ذم اليهود وتعديد ما ارتكبوه (١) ، فصار قوله : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ) بين الآيتين من الاعتراض المسمّى في كتب البلاغة الالتفات (٢).
قوله تعالى : (فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ
__________________
(١) ولأبي حيان كلام آخر في مناسبة قوله تعالى : (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ) الآية. حيث قال : «ومناسبة هذه الآية لما قبلها والجامع بينهما ؛ أنه تعالى أخبر أنه لا ينال المرء البر إلا بالإنفاق مما يحبّ ، ونبي الله إسرائيل روي في الحديث أنه مرض مرضا شديدا فطال سقمه ، فنذر لله نذرا إن عافاه الله من سقمه أن يحرّم أو ليحرّمن أحبّ الطعام والشراب إليه ، وكان أحبّ الطعام إليه لحوم الإبل ، وأحبّ الشراب ألبانها ، ففعل ذلك تقربا إلى الله ، فقد اجتمعت هذه الآية وما قبلها في أن كلّا منهما في ترك ما يحبه الإنسان وما يؤثره على سبيل التقرّب به لله تعالى». البحر المحيط (٣ / ٣).
(٢) الالتفات : «العدول عن الغيبة إلى الخطاب أو التكلّم أو على العكس» التعريفات ص (٥٠). وانظر : شرح التلخيص ص (٤٧ ، ٤٨). والكليات للكفوي ص (٦٩ ، ٧٠ ، ٢٧٣ ـ ٢٧٥).
![تفسير الراغب الأصفهاني [ ج ١ ] تفسير الراغب الأصفهاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4015_tafsir-alraqib-alisfahani-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
