يعفّي (١) المذنب ما تقدّم من ذنبه بما يوفّى عليه من أفعاله الخير ، وكان من ذنب الأحبار الذين ذكرهم في قوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ)(٢) ، أن قالوا للناس : ليس في التوراة ما يدل على نبوة محمد ، فصار من تمام توبتهم أن يبينوا للناس ما كتموه (٣) ، ولما لم يكن في الموضعين هاهنا ذلك اقتصر في توبتهم على الإصلاح. وإنما أتبع التوبة في
__________________
(١) يعفي : أي يمحو ويطمس. انظر : لسان العرب (١٥ / ٧٢).
(٢) سورة البقرة ، الآية : ١٥٩.
(٣) أشار ابن القيم ـ رحمهالله ـ إلى وجوب البيان على من كانت توبته من جهة الاعتقادات الفاسدة ، فقال : «فتوبة هؤلاء الفساق من جهة الاعتقادات الفاسدة بمحض اتباع السنة ، ولا يكتفي منهم بذلك أيضا حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة ، وإذ التوبة من ذنب هي بفعل ضده ، ولهذا شرط الله تعالى في توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى البيان ، لأن ذنبهم لما كان بالكتمان ، كانت توبتهم منه بالبيان. قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة : ١٥٩ ، ١٦٠].
وذنب المبتدع فوق ذنب الكاتم ، لأن ذاك كتم الحق ، وهذا كتمه ودعا إلى خلافه ، فكل مبتدع كاتم ولا ينعكس». مدارج السالكين (١ / ٣٩٣ ، ٣٩٤). وقيل إن معنى قوله : (وأصلحوا) في سورة آل عمران هو البيان وذلك بإظهارهم للناس أنهم كانوا على ضلال ، وهذا قول الزجاج.
انظر : معاني القرآن وإعرابه (١ / ٤٤٠) وزاد المسير (١ / ٤١٨).
![تفسير الراغب الأصفهاني [ ج ١ ] تفسير الراغب الأصفهاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4015_tafsir-alraqib-alisfahani-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
