النفي أخرج الكلام هذا المخرج ، تنبيها أن الحكمة تمنع من ذلك ، وإن كان منزّها عن أن يوصف بمنع على وجه (١) ، وقال الجبّائي : ليس قوله : (ما كانَ لِبَشَرٍ) على سبيل / التحريم ، لأن هذا محرّم على جميع الخلق ، قال : ولو كان ذلك تحريما لم يكن تكذيبا للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح ، لأن من ادعى على إنسان قولا ، فقال : فلان لا يحلّ له كذا. لا يكون مكذّبا لدعواه ، قال : وإنما أراد الله بهذا القول تكذيبهم (٢) ، وما قاله فيه قصور نظر ، فإن النصارى أقرّوا بأن المسيح لم يكن يدعي ما لم يكن له أن يدعي ، فإذا أقروا بذلك ، وبيّن تعالى أن ليس له ولا لأحد من البشر أن يقول ذلك ، كان فيه إلزام واضح ، وكأنّه قيل : قد ثبت أن المسيح لم يكن يدعي ما ليس له دعواه ، وثبت أنه كان بشرا بما تقدم في هذه السورة وغيرها ، ولم يكن لأحد يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس : اعبدوني من دون الله. وإن المسيح قد أوتي الكتاب والنبوة ، فإذن محال أن يدعو أحدا إلى
__________________
(١) وهذا التركيب ـ كما قال أبو حيان ـ معناه الانتفاء ، وهو تارة يدل من جهة المعنى على الزجر نحو قوله تعالى : (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ) [التوبة : ١٢٠]. وتارة على التعجيز كما في قوله : (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) [النمل : ٦٠] ، وتارة على التنزيه كهذه الآية. انظر : البحر المحيط (٦ / ١٧٩).
(٢) انظر : الكشاف (١ / ٣٧٧).
![تفسير الراغب الأصفهاني [ ج ١ ] تفسير الراغب الأصفهاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4015_tafsir-alraqib-alisfahani-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
