وقوله : (فَاتَّقُوا) من إقامة المسبب مقام السبب الذي هو منه في ثالث رتبه ؛ أي فإن لم تفعلوا تبين لكم أن ذلك معجزة ، وإذا تبين أنه معجزة دلكم ذلك على صدقه فيما أخبر به فيكون سببا في الإيمان به وفي تصديقه ، والإيمان به سبب في اتقاء النار.
قال الزمخشري : فإن قلت : امتناع معارضتهم القرآن واجب واقع ، فهلا قيل :
وإذا لم تفعلوا؟ ثم أجاب بوجهين.
الأول : أنه ساق على حسب نيتهم وقصدهم فإنهم كانوا يزعمون أنهم يقدرون على مصادقتهم.
الثاني : أنه تهكم به ، كقول الفارس النحرير لمن دونه : إن غلبتك على كذا.
قال ابن عرفة : وأنكر الشيخ أبو عمر بن خليل السكوني هذا الإطلاق لئلا يلزم عليه أن يسمى تعالى صفاتكما وأسماؤه توقيفية ، وكان بعضهم يرد عليه بإجماع المسلمين على ورود المجاز في القرآن مع امتناع أن يقال فيه سبحانه وتعالى تجوزا.
ابن عرفة : والصحيح أن التهكم يطلق على معنيين ، يقول : أيضا هذه العقيدة التي العربي هو فيها متهكم ، وتارة يقول : فهمنا منها التهكم ، ولا يلزم أن يكون العربي هو فيها متهكم ، بل التهكم باعتبار فهمنا نحن منه ، وعلى الأول يكون متهكما ، فإطلاق التهكم على البارئ جل وعلا بالمعنى الأول باطل ، وبالثاني ، حق.
قال ابن عرفة : وظهر لي من السؤال جواب ثالث بأن هذا على سبيل التعظيم بالمخاطبات أن يظهر أحد الخصمين للأخر أنه مغلوب أو شاك في الغلبة ، أو متوقع لها فلا يريد أن يحقق أنه الغالب له لئلا يتحرز عنه ، أو يرجع عن مخاصمته ، لدليل قوله : (وَلَنْ تَفْعَلُوا).
قال القرطبي : معناه فإن لم يفعلوا في الماضي ، ولن يفعلوا في المستقبل.
قال ابن عرفة : فإن قلت : لم يخلص الفعل للماضي ، ولم يخلص للاستقبال وهما متباينان؟
والجواب : لم خلصت إن دخلت على الجملة الاسمية فخلصت.
قلت : وقال بعض الناس : فإذا قلت : إن لم يقم زيد قام عمرو فلم يقم مستقبل باعتباره ماضي ، والمعنى أن يقدر في المستقبل أنه لم يقم فيما مضى ، فقد قام عمرو ،
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
