قال ابن عطية : وهذا من المنافقين ، قول بأن للإنسان أجلين ، فرده ابن عرفة بأن نقول : لعلهم وقفوا مع الأمور العارية ، ولم يعتقدوا ذلك مذهبا.
قوله تعالى : (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ).
ابن عرفة : فيه سؤال مذكور في حسن الائتلاف لم أسند الابتلاء للصدور والتمحيص للقلوب ، ثم أجاب بأن الابتلاء هو الاختيار فهو إشارة إلى كمال تعلق علم الله تعالى ، فإذا كان علمه عام التعلق ناسب أن يسند لك الأعم ، وهو الصدر ، وأما التخصيص فهو تخليص شيء بشيء وتصفيته فالمناسب تعلقه بالمعنى المقصود من الإنسان ، وهو القلب كما في حديث" ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب (١) ".
قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ).
قال ابن عرفة : في لفظ هذه من التلطفة والإشفاق ما ليس في سورة الأنفال ، وهو قوله تعالى : (يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) [سورة الأنفال : ١٦] والتطلف فيها من وجهين :
الأول : التصريح بلفظ الدبر في آية الأنفال دون هذه.
الثاني : أن لفظ التولي يقتضي تكليف الفعل ، فهو إشارة إلى أن لهم في ذلك عذر أما وأنهم إنما فعلوه إنظار وتكليفا وليس باعتبارهم ؛ لأنهم فرقوا بين ولّوا وتولوا ، كما فرقوا بين كرم وتكرم ، فلذلك رتب عليه الوعيد الأخف مع العفو.
قيل لابن عرفة : وأيضا فإن هذا إخبار عن واقع فناسب التلطف به وتلك الأخبار عما سيقع فناسب بأن نعبر عنه باللفظ البليغ الشديد صرفا عنه وإبعادا.
قوله تعالى : (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ).
قال ابن عرفة : إن كانت السين للعطف فظاهر ، وإن تكن كذلك فيكون (اسْتَزَلَّهُمُ) بمعنى أن أزلهم ، فإن أريد بسوء العاقبة فالسين للتحقيق ، وإن أريد قبح الفعل الواقع منهم في الحال مجريا من غير تحقيق ، قال الفخر : واحتج بها الكعبي من
__________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه : ٥١ ، ومسلم بن الحجاج في صحيحه : ٣٠٠١ ، وابن ماجه في سننه : ٣٩٨٢ ، والدارمي في سننه : ٢٤٥١ ، والبيهقي في السنن الصغير : ٨٣٦ ، وابن أبي شيبة في مصنفه : ٢٠٦٣١ ، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء : ٦٠١٧.
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
