يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر متصف بالخيرية لوصف الإيمان لا بل لا خيرية ، ومن غير المنكر بالفعل أفضل ممن لم يقدر على تغييره فغيره بقلبه.
ابن عرفة : واحتج الأصوليون بهذه ، على أن الإجماع حجة وهو بناء على قول الحسن ومن تبعه ، بأنها خطاب لجميع أمة محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإن قلت : وصف الإيمان سابق في الوجود على الأمر بالمعروف فلم أخره عنه في الآية؟ ، قلت : عادتهم يجيبون بأنه تنبيه على السلامة في ذلك من الرياء والصحة فلو قدم الإيمان لقيل خبرا عن الأصل ؛ لأن الأمر بالمعروف يستلزم الإيمان ، فكان يقول : قدم في الذكر ما هو متقدم في الوجود فلما أخر علم أنه لفائدة ، وما نهى إلا الإشعار بالسلامة من المظاهر والرياء فهو حين أمره بالمعروف مستحضر لوصف الإيمان ، وأسبابه المانعة له من الرياء والسمعة.
قوله تعالى : (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ).
ولم يقل أكثرهم الفاسقون إشارة إلى أنهم آمنوا بالله وأمنوا بأنبيائهم في كل شيء ؛ لأن من جملة ما أخبرهم به أنبيائهم إرسال محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم في أخر الزمان فكفرهم به فسق.
قوله تعالى : (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً).
قال الزمخشري : في هذه الجملة مع قوله منهم المؤمنون كلاما زائد أنه على سبيل الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب.
ابن عرفة : كان بعضهم يتعقبه من وجهين :
الأول : أن الاستطراد إنما يكون غير مقصود أن يؤتى بالجملة في ضمن جملة أخرى ، لم يقصد الإخبار بها أولا بل جاءت على سبيل الاستثناء ... لعزب من المناسبة والقرآن منزه عن ذلك ، وهو بخلاف الاستطراد الذي يذكره البيانيون ، فإن الاستطراد عندهم ، قال مالك : هو أن يكون من الفنون فيتوهم استرساله فيه ويخرج منه إلى غيره ، ثم ترجع فإن تمادى بذلك الخروج ، قال الله تعالى : (أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ) [سورة هود : ٩٥].
الجواب الثاني : أن جملة (لَنْ يَضُرُّوكُمْ) آتى بها احتراسا [٢٠/٩٨] أو تتميما لما قبلها ؛ لأنه لما تقدمها ، (وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) خشي أن يتوهم المؤمنون
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
