وتزهو نفسه ، ويتوهم أن الفعل الواقع منه بقدرته استغلالا ، فإذا أقر بعد الفعل أن لا استعانة له عليه إلا بالله وكان نفيا للتهمة وأقرب لمقام التذلل والخضوع.
قلت : قال بعض الناس : العبادة مقصد باعتبار الحكم ، والشرع والاستعانة مقصد باعتبار نية المكلف في طلبه ؛ لأنه أخبر إنما يعبد الله لا غيره ، ثم أخبر أنه ما يستعين على تلك العبادة إلا بالله تعالى.
قلت : وأجاب القاضي العماد عن السؤال بثلاثة أوجه :
الأول : طلب المعونة من الله لا تكون إلا بعد معرفته ، ومعرفته هي التوحيد ، وهو العبادة.
والثاني : يحتمل أن ترجع العبادة لتوحيد الله ، والاستعانة طلب معونة على حوائج الدنيا والآخرة وأول السورة في توحيد الله وآخرها للعبد ، كما في حديث : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" (١) ، قدم العبادة ليكون ما هو لله بإزاء ما هو الله ، وما هو للعبد بإزاء ما هو للعبد.
الثالث : طلب المعونة عبادة خاصة و (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) عامة ؛ والعام مقدم على الخاص.
قوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ).
الطلب من الأدنى للأعلى سؤال عند المنطقيين ، ودعاء عند النحويين ، ومنهم من قال : إن كان الله تعالى فهو دعائه ولغيره أمر.
والهداية لها معنيان : خاص ، وعام فالأعم للإرشاد سواء كان للخير أو للشر ، والأخص الإرشاد إلى طريق الخير والمراد هنا الأخص.
و (الصِّراطَ) قيل : أنه هو الطريق ، وقيل : الطريق الموصلة للأمن الملائم ، وهو طريق الخير ؛ لأنه مأخوذ من الشرط وهو الإبلاغ ، وإلا كان ما يبلغ إلى ما هو
__________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ١/٢٩٦ (٣٩٥) ، وابن خزيمة في صحيحه ١/٢٥٢ (٥٠٢) ، وابن حبان في صحيحه ٣/٥٤ (٧٧٦) ، والترمذي في سننه ٥/٢٠١ (٢٩٥٣) ، والبيهقي في سننه الكبرى ٢/٣٨ (٢١٩٥) ، وأبو داود في سننه ١/٢١٦ (٨٢١) ، وابن ماجة في سننه ٢/١٢٤٣ (٣٧٨٤) ، وأحمد في مسنده ٢/٢٤١ (٧٢٨٩). وقال الترمذي في سننه : قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، وقد روى شعبة وإسماعيل بن جعفر ، وغير واحد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ نحو هذا الحديث.
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
