قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ).
فإن قلت : الخطاب لليهود وهم معترفون بنبوة موسى فما فائدة القسم على ذلك ، قلنا : فائدته التنبيه على مساواة غيره من الرسل الآتين بعده له في النبوة ، وإن نبوتهم حق كما هو نبوة موسى عندكم ، قال : وهذه معجزة للنبي صلىاللهعليهوسلم لأن القاعدة أن من ادعى أمرا محالا لم يسمع منه وإن أدعى أمرا ممكنا سمع منه وطولب بالدليل على صحته ، والدليل قسمان : دليل جدلي خاص بالخواص ، ثم استدل لهم الآن بالدليل الذي يفهمه العوام وهو إنما ادعى أمر أنكر أمثاله قبله فلم يأتكم أمر غريب لم يسبق به بل أتى بأمر تكرر لنظائره وجرت العادة به فهو ممكن عقلا واقع أمثاله بالمشاهدة فحقكم أن تنظروا في معجزته وتؤمنوا به ، فإن قلت : ما أفاد من بعده مع أن التبعية تفيد معنى البعدية ، قلت : الإفادة الأول الأزمنة البعدية ، إشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسّلام من حين أرسله لم تزل شريعته باقية معمولا بها حتى أرسل الله رسولا آخر فكان مقررا لها كيوشع بن نون ، أو ناسخا كعيسى عليهما الصلاة والسّلام ، وعين موسى وعيسى عليهماالسلام دون غيرهما إما لأن المخاطبون بهذه الآية اليهود والنصارى ، أو لأن المتبعين إلى شريعة موسى وعيسى باقون إلى قيام الساعة ، ولم يبق أحد من يشرع شريعة غيرهما من الأنبياء ، فإن قلت : لم خصص عيسى بذكر إيتاء البينات؟ قلنا : لوجهين :
إما أنه بشر بالنبي صلىاللهعليهوسلم ، قال : (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [سورة الصف : ٦] واستظهر على صحة قوله بمعجزات واضحات.
وإما لأن الخطاب لليهود وهم كافرون بعيسى فمعناه أرسلنا من بعد موسى رسلا منهم عيسى ، ورسالته قام الدليل على صحتها ، وإنها نسخت بشريعة نبيكم موسى فكذلك هذه الرسالة.
قوله تعالى : (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ).
ابن عرفة : هذا بغي عليهم ومبالغة في ذمهم لأن ما لا تهواه النفس أعم مما تكرهه النفس ، والمعنى مهما آتاكم رسول من عند الله بأمر لا تجيبونه سواء كانوا يكرهونه أم لا ، فأنهم يستكبرون ويكفرون به ، ونظيره ، قوله تعالى في سورة العقود : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة المائدة : ٤٤] ، ولم يقل : ومن حكم بغير ما أنزل الله فيتناول سؤالا من تركه الحكم ولم يحكم بشيء لأن الفصل بين
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
