فقال ابن عباس : وما لكم ولهذه! انما دعا النبي صلىاللهعليهوسلم يهود ، فسألهم عن شيء فكتموه إياه ، واخبروه بغيره ، فاروه ان قد استحمدوا اليه بما اخبروه عنه فيما سألهم ، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ، ثم قرا ابن عباس : (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ) (٧٩) حتى قوله : (يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا) (٨٠) فلم يزل الاشكال الا بمعرفة سبب النزول.
ولو لا بيان اسباب النزول لأباح الناس لأنفسهم التوجه فى الصلاة الى الناحية التي يرغبون فيها ، عملا بالمتبادر من قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (٨١) فإذا قرانا تفسير مقاتل (٨٢) رأينا انها نزلت فى ناس من المؤمنين كانوا فى سفر ، فحضرت الصلاة فى يوم غيم ، فتحيروا ، فمنهم من صلى قبل المشرق ، ومنهم من صلى قبل المغرب ، وذلك قبل ان تحول القبلة الى الكعبة ، فلما طلعت الشمس عرفوا انهم قد صلوا لغير القبلة ، فقدموا المدينة ، فأخبروا النبي صلىاللهعليهوسلم بذلك ، فانزل الله عزوجل : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ).
قال مقاتل : وانزل الله عزوجل : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ...) الى آخر الآية (٨٣).
ولو لا بيان اسباب النزول لظل الناس الى يومنا هذا يبيحون تناول المسكرات وشرب الخمور ، أخذا بظاهر قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا) (٨٤). فقد «حكى عن عثمان بن مطعون وعمرو بن معد يكرب انهما كانا يقولان : الخمر مباحة ، ويحتجان بهذه الآية. وخفى عليهما سبب نزولها فانه يمنع من ذلك ، وهو ما ذكره مقاتل (٨٥) وغيره : من انه لما نزل تحريم الخمر
__________________
(٧٩) سورة آل عمران : ١٨٧ ـ ١٨٨ وهما : (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ، لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ).
(٨٠) تفسير مقاتل مخطوطة احمد الثالث : جزء ١ ورقة ٦٨ ا ، وانظر تحقيقي له : ١ / ٣٢٠ ـ ٣٢١. وقد ورد فى هذا صحيح البخاري كتاب التفسير : ٦ / ٤٠ ، وفى تفسير ابن كثير : ١ / ٤٣٦ ، والبرهان : ١ / ٢٧ ، والإتقان : ١ / ٤٨.
(٨١) سورة البقرة : ١١٥.
(٨٢) تفسير مقاتل ، مخطوطة احمد الثالث : جزء ١ ورقة ٢١ ا ، وانظر تحقيقي له : ١ / ١٣٣.
(٨٣) سورة البقرة : ١٧٧.
(٨٤) سورة المائدة : ٩٣ وتمامها : (... إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
(٨٥) تفسير مقاتل مخطوطة احمد الثالث جزء ورقة ١٠٧ ب ، وانظر تحقيقي له : ١ / ٥٠٣. وقد ورد ذلك ايضا فى البرهان : ١ / ٢٨ ، واسباب النزول للواحدي : ١٩٦ ، وتفسير ابن كثير : ١ / ٩٧ ، والإتقان : ١ / ٥٣.
![تفسير مقاتل بن سليمان [ ج ٥ ] تفسير مقاتل بن سليمان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3996_tafsir-muqatil-ibn-sulayman-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
