(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) بيّن سبحانه أنه أعلم بما أعطى ملائكته في السماوات من مقام الخوف والعبودية ، واختار لهم شرف القربة ، وفضّل بعضهم على بعض في الذكر والتسبيح والعبادة والخوف والخشية ، وهو أعلم بما هو أعطى من في الأرض من الشريعة والطريقة والحقيقة ، وفضّل بعضهم على بعض في مراسم السلوك ، وأعطى الشريعة للعموم ، والطريقة للخصوص ، والحقيقة لخصوص الخصوص ، فلمّا تم نظم الولاية رقى الأمر إلى درجات النبوة ، فأعطى المرسلين خبر غيب الغيب ، وأعطى النبيين خبر الغيب ، وكشف جميع مراتب القربة ، وأدارهم في ملكوته بالهمم ، وسيرهم في ميادين جبروته بالأرواح والأسرار ، وفضّل بعضهم على بعض في الدنو ودنو الدنو ، والتجلّي والتدلي والكلام والخطاب والمعارف والكواشف ، فبعضهم أهل رؤية القدم وخبره ، وبعضهم أهل رؤية البقاء وخبره ، وبعضهم أهل رؤية الصفات وعلمها ، وبعضهم أهل رؤية الذات ومعرفته ، فهؤلاء أهل الأول والاخر والظاهر والباطن ، قال تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ) [الحديد : ٣] ، فأهل القدم أهل الأول ، وأهل البقاء أهل الاخر ، وأهل الصفات أهل الظاهر ، وأهل الذات أهل الباطن ، فاصطفى آدم عليهالسلام بعلم الأسماء والنعوت ، ومباشرة الصفة ، وتجلي الذات ، فصار في محل عين الجمع ، لقوله عليهالسلام : «خلق الله آدم عليهالسلام على صورته» (١) ، واصطفى نوحا عليهالسلام بالسلطنة والمعجزة وإجابة الدعوة ، واصطفى الخليل عليهالسلام بالخلّة والسماع ومقام الالتباس ؛ حيث قال : (هذا رَبِّي) [الأنعام : ٧٦] ، وإفراد القدم عن الحدوث بقوله : (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) [الأنعام : ٧٨] ، واصطفى موسى عليهالسلام بالخطاب الأصلي وسماع الكلام الأزلي والتجلّي ، واصطفى عيسى عليهالسلام بدرجة القدس ، وجعله روح القدس من كلمته العلية الأزلية ، واصطفى داود عليهالسلام بالزبور ، والذي فيه بناء الذات والصفات ، وأعطاه مقام العشق وحسن الصوت الذي من مزامير الصفات وألحان بلابل القدم ، واصطفى سليمان عليهالسلام بالملك والتمكين ، واصطفى يوسف عليهالسلام بكسوة حسن جماله الذي أشرق في وجهه من طلوع صبح الصفة في عالم الفعل ، واصطفى محمدا صلىاللهعليهوسلم بجميع ما أعطاه إياهم ، وخصّه بالمعراج ، والدين ، والتجلّي ، والتدلي ، والمحبة الكبرى ، والمجلس الأعلى ، والمقام الأدنى ؛ فكان قاب قوسين أو أدنى ، فرمى بقوس الأزل ما وهبه الله إلى الجمهور ، ورمى من قوس الأبد ما وهبه الله له ، فبقي بين القوسين بعد ذهاب الكونين ، فصار هدنا بقوس قاب قوسين ؛ لأنّ هناك لا يليق إلا
__________________
(١) رواه البخاري (٥ / ٢٢٩٩) ، ومسلم (٤ / ٢٠١٧).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
