(الْكُفَّارَ) : النفوس الأمّارة ، وجهادها إماتة شهواتها ، (وَالْمُنْفِقِينَ) : هم إبليس وجنوده ، وجهادهم [مجاهدة] طريق الوسواس بالجوع الدائم ، والحزن القائم ، والزجر الغليظ عليهم يكون من القلب الروحاني المملوء من النور الربّانيّ ، وفيه رخصة زجر المدّعين ، فيجوز الصادق أن يزجرهم ، ويعرض عنهم.
قال محمد بن على : جاهد الكفّار بالسيف ، والمنافقين باللسان.
وقال سهل : النفس كافرة ، فجاهدها بسيف المخالفة ، وأحملها جولات الندم ، وسيّرها في مفاوز الخوف ، لعلّك تردّها إلى طريق التوبة والإنابة ، ولا تصح التوبة إلا لمتحيّر في أمره ، مبهوت في شأنه ، واله القلب مما جرى عليه.
قال الله : (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ).
ثمّ وصف الله أهل النفاق بنقض العهود ، وفسخ العقود ، وشحّ النفوس ، بقوله : (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) : هذا وصف المغرورين الذين ما ذاقوا لهم محبّة الله ، ولو وجدوا لذّة منها بقدر رأس إبرة ، ليدلوا وجودهم لشوق جماله.
قال النصر آبادي : الفضل في رؤية الإحسان ، رأوا من أنفسهم إحسانا لم يعملوه بعد ، وصدقة لم يتصدّقوا بها ، وصحّحوا لأنفسهم أفعالا ، بقوله : (لَنَصَّدَّقَنَ) ، فنقضوا العهد لمّا ظهر لهم ما سألوه ، فتولّد لهم من ذلك البخل الذي قال عنه النبي صلىاللهعليهوسلم : «أي داء أدوى من البخل» (١).
والتولي عن سبيل الرشد ، والإعراض عن مناهج الحق ، وذلك أنهم أخلفوا وعدهم في السخاء ، فلزم عليهم الخيانة والبخل والكذب ، بقوله : (فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ).
ثمّ إنّ الله سبحانه وصفهم بتمام الحرمان عن السعادة والسخاوة ، بقوله : (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ) ، زاد نفاقهم جزاء لبخلهم.
قيل : هو ميراث البخل ، وهو الكذب والخلف والخيانة.
__________________
ـ الخوف ، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة ، ولا تصح التوبة إلا من متحير في أمره ، مبهوت في شأنه ، واله القلب مما جرى عليه.
(١) رواه البخاري في الأدب المفرد (ص ١١١).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
