[آل عمران : ١١٩] ثم بيّن أن هذا الغيظ من تولد نسيانهم قهر الله في بطش جبروته ، وبروز عظائم أنوار ملكوته ، لم يكونوا من أهل الذكر ، فطرأ عليهم طرآن النسيان ، لم يذوقوا حقائق الذكر ، تركوا أمر الله لجهلهم بجلال الله ، فتركهم الله في ظلمات قهره يعمهون ، لا يرون سبيل الرشد أبدا ، وهكذا وصف من ادعى معرفة الله ، ولم يذق طعم محبة الله ، ولا يستقيم في دعواه ، ونفر من الطريق إلى جمع الدنيا من قلة صبرهم مع أولياء الله ، فيجمعون الدنيا ، ويحتجبون بها عن ذكر الله ، فتركهم الله في حبها وحب جاهها ، ولا ينفقون منها في طريق الله.
قال الله : (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ).
قال بعضهم : يقبضون أيديهم عن رفعها إلى مولاها في الدعوة والحوائج ، كما روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه رأى كأنه في الموقف ، ويده على صدره كاستطعام المسكين.
|
ها أنا مددت يديّ إليك |
|
فردّها بالوصل لاستماتة الحساد |
وقيل : يقبضون أيديهم عن الصدقة.
وقيل : يقبضون أيديهم عن معونة المسكين.
وقال سهل : في قوله : (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ) : نسوا أنعم الله عندهم ، فأنساهم الله شكر النعم.
وصف المؤمنين والمؤمنات بالموافقات في جميع الخيرات بقوله :
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) ؛ لأن أرواحهم كانت مستغرقة في أنوار القدم ، وهو تعالى ألّف هناك بين الأرواح ، بأنها من جواهر أنوار الملكوت ألفت بعضها بعضا بألف الله سبحانه في مشاهدة جماله ، حين إذا قربا طعم وصال ، فأحبّ المؤمنون بعضهم بعضا بمحبة الله في قلوبهم ، ويتعاونون بعضهم بعضا في عبادة الله ، ونصرة أنبياء الله وأوليائه.
وقال أبو عثمان : المؤمنون أنصار يتعاونون على العبادة ، ويتبادرون إليها ، وكل واحد منهم يشد ظهر صاحب ، ويعينه على سبيل نجاته ، ألا ترى النبي صلىاللهعليهوسلم يقول : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (١). وقال صلىاللهعليهوسلم : «المؤمنون كالجسد الواحد» (٢).
قال الله : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ).
وقال أبو بكر الورّاق : المؤمن تولى المؤمن طبعا وسجية.
(وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها
__________________
(١) رواه البخاري (١ / ١٨٢) ، ومسلم (٤ / ١٩٩٩).
(٢) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ٣٤).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
