قوله تعالى : (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) علم الحق سبحانه أن الأعين للحدث يرى بها القدم صدقا ؛ فنصب أعلام قدرته لتراه عين الحدث بواسطة القدرة ، فقال : (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فطرها بقدرته وإبداعها بعزته ، وألبسها أنوار جلاله وهيبته ، يدعوكم من نفوسكم إلى رؤية جماله في آياته ، فتنظروا إليها بأبصار فأذن وقلوب حاضرة.
ثم رقّاهم إلى أعلى الدرجات من رؤية أنواره وقدرته في خلقه إلى مشاهدة عيان ذاته ؛ وذلك قوله : (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ) وقع الغفران على النظر منهم إليه بواسطته آياته.
وأي ذنب أعظم من طلبه بواسطة من الكون ، حار الوجود في وجوده ، وغاب وجوده في وجوده ، فضلا عما أوجده في الوجود ، وأيضا يدعوكم إلى معرفته ؛ لتعرفوا بمعرفته نفوسكم وذنوبكم ، وإذا وقعت المعرفة عنكم ارتفعت ذنوب تقصيركم في طاعته ، وإدراك عزته.
قال النوري في هذه الاية قال : دعا الخلق بنفسه إلى نفسه ، وذكر من أسمائه فاطرا ؛ لئلا يتعلقوا بشيء من الأكوان.
وقال : (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) إن أردتم ما فيها فهو عندي ، وإن أردتموني فلا تلتفتون إليهما وارجعوا منهما إليّ.
وقال بعضهم : ما دعا الله أحدا إليه ولا الأنبياء ، وإنما دعا من دعا لحظوظهم.
قوله تعالى : (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١))
قوله تعالى : (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) ووقعت التسوية على السواد والخيال ، ولكن يختار برسالته ونبوته وولايته من يشاء من عباده الذين سبقت لهم حسن العناية في الأزل بما وهب لهم من خلع استعداد معرفته ، وقبول عبوديته ، ورقية مشاهدته ، الأول تعريف التواضع ، والاخر تشريف الحقائق.
قال أبو عثمان : منّ الله على خواص عباده ما فات الإحصاء والعد ، فأول منّة له عليهم التوحيد ، ثم المعرفة ، ثم أن بعث فيهم الرسل ، ثم أن سماهم عباده ، ثم له عليهم في كل نفس نعمة عرفوها أو لم يعرفوها.
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
