كئوس شراب البلاء على وصف التداني حتى لا يغلب عليه بحر البلية ؛ فيغرقه ويلقيه إلى بحر الشكوى ، صبرت على بعض الأذى خوف كله ، ودافعت عن نفسي ؛ فغرت وجرعتها المكروه حتى تدربت ، ولو جملة جرعتها لا شمأزت ، وأيضا الصبر الجميل ما يكون بالله قاله : (وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ).
قال الجنيد : الصبر الجميل أن يجعل ابتداؤه وانتهاؤه لا يبتدئ فيه بتحير ، ولا يقطعه بدعوى بل يمضي في جميع أوقاته على رؤية من إكرامه الصبر.
قال بعضهم : الصبر الجميل الذي ليس فيه إظهار الشكوى ، ولا إحساس بلوى ، ولما ثقل عليه أوقات البلاء ضاق صدره من معاشرة الخلق ، وأقبل على الله ، وشكا منه عليه بقوله تعالى : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) أسفه كان على رب يوسف عليهالسلام لأنه رأى من يوسف عليهالسلام جمال رب يوسف عليهالسلام بواسطة يوسف عليهالسلام ؛ فلما غاب عنه وفقده تغلل كتمانا على الحقيقة ، وقال : (يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) ، وهذا كحال الخليل عليهالسلام حين اشتاق إلى ربه فتعلل بقوله : (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) وأراد بذلك رؤية المحيي ، ومثل هذا احتيال العاشقين تولى عنهم إذ لم يرى ما يرى في يوسف عليهالسلام عنهم ، وقال : يا أسفى على مرآة الله في بلاد الله تذكر أيام بالوصال ، وظهور أنوار الجمال ، وتأسف بالفراق والانفصال بعد الاتصال.
|
سقى الله أياما لنا ولياليا |
|
مضت فجرت من ذكرهن دموع |
|
فيا هل لها من الدهر أوبة |
|
وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع |
(وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ) علق ذهاب البصر إلى الحزن ، وذهابه كان من فقدان ذلك الجمال بكى حتى ذهب بصره بألا يرى غير حبيبه.
|
لما تيقنت أني لست أبصركم |
|
غمضت عيني فلم أنظر إلى أحد |
ولما رأى سبحانه دعوى يعقوب بالصبر الجميل زاد حمل بلائه على بلائه حتى ضاق صدره عن حمل وارد قهر القدم ، وخرج بعجز البشرية ، وقال : (يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) ؛ لأنه تعالى غيور ولا يذر أحدا من التمكين إلا ناقصا عن موازات طوارق أقدار الأزل.
ألا ترى إلى قول من قال : من صبر اجتوى ، ومن شكر ابتدى ، ومن ذكر افترى ، ما أعجز الحدثان في ظل نور عظمة الرحمن.
قال الجنيد : في قوله : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أعرض عنهم لما لم يجد من عندهم الفرح ولم يوفيهم مشتكي لشكواه ، وقال : (يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) فلم يترك في هذا النفس الوجد له نفسا حتى أوحي إليه أتأسي على غيرنا ، أين ذلك الصبر الجميل الذي وعدتنا من نفسك ،
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
