وهو تعالى يقول : (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) أنه سبحانه تقدس عن كل مكان ، ولكن هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد ، وينشد :
|
يا طالب الله في العرش الرفيع به |
|
لا تطلب العرش إن الحبّ فاره |
لي نكتة عجيبة في قوله تعالى : (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) في قوله صلىاللهعليهوسلم لصاحبه : (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) هذا نفى الاتحاد بالوحدانية ، كما نفى عن عيسى وأمه حين زعموا النصارى أن الله ثالث ثلاثة ، فقال : (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) [المائدة : ٧٣] نفى الإلوهية عن الروح والصدّيقية ، كما نفى هاهنا عن سيد المرسلين ، وسيد الصدّيقين حتى لا يظن ظان أن من العرش إلى الثرى لم يكن في ساحة الكبرياء والأزلية أثر ؛ لأن الألوهية القديمة ممتنعة عن الانقسام والافتراق والاجتماع ، وتحقيق ذلك قوله :
(إِنَّ اللهَ مَعَنا) وتلويح ذلك نفي الاتحاد ، وإظهار الانبساط ، ودليل الإشارة بقوله : (لا تَحْزَنْ) أثبت الحزن في طلب أبي بكر رضي الله عنه ، وذلك الحزن حزن فوت الحال ، والوقت في زمان البأس والابتلاء ، وعرف عليهالسلام أن الوقت والحال لا يفوت عنا ، فهو تعالى معنا بالكشف والوقت والحال ، بقوله : (إِنَّ اللهَ مَعَنا) ، ثم زاد في حدث الكشف والوصال حيث حزن صاحبه لأجلها بقوله : (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) إشارة أن سكينته نزلت من عند الله على قلب محمّد صلىاللهعليهوسلم ، وتلك زيادة وضوح الكشف والمداناة ، النبي صلىاللهعليهوسلم كان مستقيما في الأحوال كلها ، وما حزن لأجل الفوت ، ولكن أنزلت السكينة عليه ؛ لأجل زيادة استقامة قلب الصدّيق ، وذهاب الحزن عنه ؛ ليستضيء نورها من جمال النبي صلىاللهعليهوسلم ، ولو أنزلت على الصدّيق بغير واسطة النبي صلىاللهعليهوسلم ؛ لذاب تحت إشراق سلطان أنوار القدم ؛ لأن تلك البرهاء في تلك الأوقات لا يحتملها إلا المرسلون من أولي العزم ، كما قال : أنزل سكينة أبي بكر على محمد ، وإن كان البهاء راجعا إلى الله سبحانه ، ويحتمل أن السكينة نزلت على أبي بكر ، فأما النبي صلىاللهعليهوسلم فكانت السكينة عليه ، قيل ذلك.
قال بعضهم : السكينة لأبي بكر ما ظهر له على لسان المصطفى صلوات الله عليه من قوله صلىاللهعليهوسلم : «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (١).
قال بعضهم : السكينة سكون القلب إلى ما يبدو من مجاري الأقدار.
وقال ابن عطاء : يحتمل أن أبا بكر لم يكن محزونا ، ولكن النبي صلىاللهعليهوسلم لشفقته عليه ، حذر ما
__________________
(١) تقدم تخريجه.
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
