من قلزم القدم.
ولو لا تلك الأهلية لما كان فردا في الصحبة ، وكان الصدّيق في منزل ما كان محمد ، وكان الله ولم يكن معه شيء من شقائق قدسه ، وبرق من بروق أنوار أنسه ، خرجا من تلك الأنوار ودخلا بها في الغار ، وعرّف الحبيب الصدّيق خصائص المعيّة معه حين ورد عليه طوارق الامتحان ، وأخرجته من رؤية الحدثان ، بقوله : (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) أي : لا يحزن بتغير الاصطفائية ، وانكسار حصون العصمة ، فهو معناه بمعنى القدرة والعلم الأزلي ، وعناية الأبدية ، وظهور مشاهدته من حيث القلب والروح والعقل ، بوصف المناجاة والمداناة.
وقال ابن عطاء في قوله : (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ).
قال : في محل القرب في كهف الأنوار في الأزل.
وقال في قوله : (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) : ليس من حكم من كان الله معه أن يحزن.
وقال الشبليّ : (ثانِيَ اثْنَيْنِ) : تشخصه مع صاحبه ، ووحّد الواحد بقلبه مع سيّده.
وقال ابن عطاء في قوله : (إِنَّ اللهَ مَعَنا) معناه : إن الله معنا في الأزل حيث وصل بينا ، ووصل الصحبة ، ولم يتفضل.
قيل في قوله : (لا تَحْزَنْ) : كان حزن أبي بكر رضي الله عنه ؛ إشفاقا على النبي صلىاللهعليهوسلم.
وقيل : شفقة على الإسلام أن يقع فيه وهن.
وقال فارس : إنما نهى عن الحزن ؛ لأن الحزن عنه ، وإنما هو تعريف أن الحزن لا يحل بمثله ؛ لأنه في محل القربة.
وقيل : أخرجتهما الغيرة إلى الغار عليهما الحق ، فسترهما عن أعين الخلق ؛ لأنهم كانا في مشاهدته يشهدهم ويشهدونه ، ألا ترى كيف يقول عليهالسلام لأبي بكر رضي الله عنه : «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (١) مشاهدا لهما ، وعونا وناصرا.
ويقال في قوله : (نَصَرَهُ اللهُ) من تلك النصرة أبقاه إياه فيما أبقاه به من كشوفاته في تلك الحالة ، ولو لا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه.
ويقال : صحيح ما قالوا للبقاع دون ما خطر ببال أحد ، أنّ ذلك الغار يصير مثوى ذلك السيد صلىاللهعليهوسلم ؛ ولكن يختص بقسميه ما يشاء ، كما يختص برحمته من يشاء.
ويقال : علقت قلوب قوم بالعرش ، فطلبوا الحق منه.
__________________
(١) رواه البخاري (٣ / ١٣٣٧) ، ومسلم (٤ / ١٨٤٥).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
