قال : معناه في عشق ظاهر.
وقال بعضهم : في غلبة من العشق ضلّ فيه عقلها وبصيرتها ، فلم يبق عليها محل الكتمان من غلبة الشوق ، فلما وصلها خبر ملامة النسوة ، واحتيالهن في طلبهن رؤية معشوقها بلطف المكر ، أرادت أن تلقيهن في بحر البلاء الذي لا ينجو منه أحد.
قال الله تعالى : (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ) : دعتهن إلى بيتها ، فاجتمع في بيتها أعيان نساء مصر اللواتي صويحبات الجمال وزينة ، وكشفن وجوههن وزينتهن ليغلبن على زليخا ويسلبن يوسف عليهالسلام منها ، فعلمت زليخا ضعفهن عن حمل أوائل رؤية يوسف عليهالسلام وحسنه ، وجماله ، ولطفه ، ومنظره ، واحتالت في إلقائهن في المحبة بقوله : (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً) : أجلستهن في أطيب المجالس ، وأشرف المناظر ، على خوان (١) فيه ألوان الطعام والفواكه ، وأعطت كل واحدة أترجا وسكينا ، وقالت : كلن وقطعن الأترج ، وأرادت بذلك الحيلة عليهن ، حتى شغلن بالطعام والكلام عن رؤية يوسف عليهالسلام ليخرج عليهن بالبديهة عن غير موعد ولا استئذان ، حتى يستغرقن في بحر الهيبة والبهتة عند رؤيته.
قال الله تعالى : (وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَ) : ألبست يوسف عليهالسلام قميصا منظوما بالدر واليواقيت ، ووضعت على رأسها تاجا مكلأ باللالئ ، وألبست ساقيه وذراعيه سوارا أو خلخالا ، ووضعت على يده صفحتين حتى لا يستر وجهه ؛ لأنه كان إذا رأى امرأة يغطي وجهه ، فعلمت شأنه بذلك فخرج عليهن بديهة فصرن هائمات ، تائهات ، حائرات ، مفتونات من رؤية يوسف عليهالسلام ، ذاهبات في حسنة وجماله وعشقه.
قال تعالى : (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) : عظمته بعظمة الله ، وهبنا منه لما رأين في وجهه نور هيبة الله ، فذهلن في وجه يوسف عليهالسلام ، فسقطن عن التمكين والعقل ، وفعلن أفعالا مجهولة ، بقوله سبحانه : (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ) ، وذلك من استغراقهن في عظمة الله وجلاله ، وإنّ الله سبحانه ما أراهنّ من وجه يوسف ما أراه لزليخا ، فأوقعهن في نور العظمة والكبرياء ، وجلال تجليه منه لهن ، وأرى نور حسنه وجماله لزليخا من وجه يوسف عليهالسلام فبقيت في العشق ، ورعونته ، ونظافته ، وبقين في العظمة والجلال ، لذلك قطعن أيديهن ، ولم يشعرن بذلك ، ولو رأت زليخا ما رأين ما استقامت في حالها وما راودته عن نفسه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : (وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) : رأينه على صفة الملائكة المقدسين
__________________
(١) كلمة فارسية بمعنى : مائدة.
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
