فتقاضى سرهن حقائق الخبر ، وتفتيش الأمر ليذقن ما ذاقت زليخا فاحتلن ، وقلن ذكر ملامتها بقوله سبحانه : (وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا) ، ذكرهن لملامة اشتهائهن رؤية يوسف عليهالسلام ، وحكمن بحكم الفراسة أنّ حب يوسف عليهالسلام بلغ حبة قلبها وصورة شغاف القلب سجف لطيف رفيق ، وبراءة عالم الكشافة ، وبعده عالم اللطافة الأول مقام النفس والهوى والوساوس ، والاخر مقام العقل والروح والملك ، ومقام الكشافة مقام شهوة الإنساني ، ومقام اللطافة مقام شهوة الروحاني ، وليس في الروحاني علة الهوى والنفس والشيطان ، فإذا وصل الحب إلى منظر الروح واتصل بروح الروح بلغ إلى عالم الرحماني ، فإذا تمكنّ الحب هناك تخلص من الوسائط ، وصار حب الله ، فكل محبة وصلت إلى هنا فقد وصلت شغاف القلب ، واتصلّت بمحبة الله ، كأنهن أردن محبة يوسف عليهالسلام ، وصلت في قلبها إلى محبة الله ، وهناك استغراق الحب ؛ حيث بقيت الأشباح في سورة الوسائط بمحبتها ، وبقيت الأرواح في مشاهدة الحق لا للأرواح قرار ، ولا للأشباح قرار ، وهذا وصفهن زليخا بهذه الصفة بقوله : (إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي : في غيبوبة من استغراق الحب ، وتمكين العشق بحيث لا تخاف من الملامة ، ولا تلتفت إلى السلامة ، ويمكن أن إشارتهن إلى ضلالها إلى أنها أرادت من يوسف عليهالسلام وحبه أن يكون يوسف من غاية حبها صورة وروحا اتحادا ، فهن في منزل العقل والعلم يقين من مباشرة الجمال ، وعلموا أن ذلك مستحيل من حيث العقل ، لا من حيث العشق ومباشرة الحال.
قال الجنيد : وسئل : ما علامة المحبة؟ قال : ذكر الله في كتابه : (قَدْ شَغَفَها حُبًّا).
قال : ألّا يرى جفاء الحبيب له جفاء ، بل يرى جفاء الحبيب له وفاء.
قال سمنون : الشغاف في المحبة امتلاء القلب منه حتى لا يكون لشيء غيره فيه مكان.
قال الشبلي : الشغاف نهاية العشق.
وقال بعضهم : الشغاف في المحبة حال الخمود ؛ حيث لا عبارة عما به ولا إخبار ، كما قال الله : (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي).
وقال السري : أذهلها حبه حتى لم تكن تعرف سواه ، ولم يكن للملامة عليه من الغير أثر ، وذلك صدق المحبة.
وقال جعفر : الشغاف مثل الغيم أظلم قلبه عن التفكر في غيره ، والانشغال بسواه.
وقال ابن عطاء في قوله : (لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) : أي في وجد ظاهر ، ومحبة بينة ، وشوق مزعج.
سئل جعفر بن محمد عن العشق؟ فقال : ضلال. ثم قرأ : (لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
