أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ).
قال قائلون : هو صلة قوله : (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) ، والصالحون هم الذين آمنوا بالله ، وحفظوا حدوده وحلاله وحرامه ، (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ) يعني : الصالحين (فَخَلَفَ) لم يحفظوا (١) حدوده ومحارمه.
وقال قائلون : هو صلة ما تقدم من ذكر الأنبياء والرسل ؛ كأنه أخبر أنه خلف من بعدهم خلف ، يعني : خلف الرسل والأنبياء (وَرِثُوا الْكِتابَ) وهو كما ذكر في سورة مريم ، وهو قوله : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ) [مريم : ٥٩] وإنما ذكر هذا من بعد ذكر الأنبياء والرسل ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَرِثُوا الْكِتابَ) علموا ما فيه.
(يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى).
إن أهل الكتاب كانوا يأخذون الدنيا على أحد وجوه ثلاثة :
منهم من كان يأخذها مستحلّا لها ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ) [مريم : ٥٩].
وكقوله : (إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) [التوبة : ٣٤].
ومنهم من كان يأخذها بالتبديل ، أعني : تبديل الكتاب ؛ كقوله : (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ...) الآية [آل عمران : ٧٨] ، وقوله : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) [البقرة : ٧٩].
ومنهم من كان تناول على ما تناول أهل الإسلام على قدر الحاجة ، وهاهنا لا يحتمل الأخذ إلا أخذ الاستحلال أو التبديل ، والأخذ بالاستحلال ـ هاهنا ـ أقرب ، كانوا يأخذون عرض هذا الأدنى مستحلين له.
(وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا) يحتمل هذا وجوها :
يحتمل ما قالوا : (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) [المائدة : ١٨].
فيغفر لنا ؛ كانوا يستحلون أموال الناس ويأخذونها ، ثم يقولون : سيغفر لنا ؛ لأنا أبناء الله وأحباؤه.
__________________
(١) فى ب : ولم يحفظوا.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
