وقوله ـ عزوجل ـ : (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ).
يشبه أن يكون هذا صلة ما سبق منهم من المبايعة والعهود التي جرت بينهم وبين رسول الله ؛ يقول ـ والله أعلم ـ : (ما كانَ) ، أي : لم يكن لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، بعد ما قبلوا النصر له والمعونة وبايعوه على ذلك ؛ هذا محتمل.
ويحتمل وجها آخر : وهو أن يكون صلة ما ذكر على أثره وهو قوله : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ) ؛ يقول ـ والله أعلم ـ : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، وقد جعل بكل ما يصيبهم في أنفسهم من العناء والشدة ، وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون من النفقة قليلة كانت أو كثيرة ، أو يصيبون من العدو ومن القتل والغنيمة ـ إلا كتب لهم بذلك العمل الصالح ، أي : ما كان ينبغي لهم أن يتخلفوا عنه ، وقد كتب لهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء وما يصيبون من الخير ـ العمل الصالح والأجر لهم ، والله أعلم.
أو يقول : ما كان لأهل المدينة إذ تخلفوا عن رسول الله أن يتخلفوا عنه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ).
يحتمل قوله : (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) ، أي : ولا يرغبوا بالتخلف عن نفسه ؛ يقال : جاء فلان بنفسه ، ورأيت أنا بعيني ونحوه ، أي : جاء هو ورأى هو ؛ فعلى ذلك هذا (وَلا يَرْغَبُوا) ، أي : ما كان ينبغي لهم أن يرغبوا عن رسول الله.
ويحتمل (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ) ، أي : لأنفسهم عن نفسه ، [و](١) ذلك جائز ما ذكرنا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ) قيل (٢) : عطش ، (وَلا نَصَبٌ) : العناء والمشقة ، (وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، أي : مجاعة.
(وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ) ، قال بعضهم : ولا يقفون موقفا.
وقال بعضهم : هو من الوطء والموطئ : الشيء الذي يوطأ.
(وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً) ، قيل : فيهم أو إغارة (٣) عليهم ، (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ) ، أي : يكتب ما لهم وما عليهم العمل الصالح مكان من تخلف منهم مخافة
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) ذكره السيوطي في الدر (٣ / ٥٢١) وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي وكذا البغوي في تفسيره (٢ / ٣٣٨).
(٣) في ب : وإغارة.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
