فيقولون لك : مما يخوض فيه الركب إذا ساروا.
وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة ، ولا مأرب سوى أن فيما ذكر لنا من خبر المنافقين تنبيها للمؤمنين وتحذيرا لهم ؛ ليحذروا إسرار ما لم يظهروا على ألسنتهم ؛ ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون.
وقوله : (قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ).
قوله : (أَبِاللهِ) يحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى أنفس (١) المؤمنين ؛ لأنه لا أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله ، ولكنهم كانوا يستهزءون برسول الله وبالمؤمنين ؛ فأضاف إلى نفسه ؛ كقوله : (يُخادِعُونَ اللهَ) [البقرة : ٩] ، وكذلك قوله : (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ ...) [محمد : ٧] الآية ؛ فعلى ذلك الأول كانوا يستهزءون برسول الله وبالمؤمنين ، فأضاف إلى نفسه ؛ تعظيما لهم وإكراما.
وقوله : (وَآياتِهِ) يحتمل أنهم كانوا يستهزءون بالأحكام التي لها آيات ، فاستهزءوا بتلك الأحكام ؛ فأضاف الاستهزاء إلى الآيات ؛ كقوله : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) [البقرة : ٢٣١] [البقرة : ٢٣١] الآية.
(وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً) [البقرة : ٢٣١] ، [هم](٢) لم يتخذوا آيات الله هزوا ؛ ولكن هزوا بالأحكام التي لها آيات فأضاف الهزء إلى آياته ، ولكن من استخف بحكم من الأحكام التي لها آيات كان ذلك استخفافا بآياته ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ).
أي : لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم ؛ لما لا عذر لكم فيما تعتذرون بعد ما قلتم إنه أذن لما ظهر منكم الخلاف والكذب في ذلك ؛ كقوله : (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ) [التوبة : ٩٤] أخبر أنه لا نصدقهم فيما اعتذروا ؛ لما ظهر كذبهم وتبين خلافهم.
وقوله : (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ).
يحتمل : كفرتم في الباطن بعد ما أظهرتم باللسان.
ويحتمل : (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) حقيقة قد كفروا بعد ما آمنوا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً).
__________________
(١) في أ : نفس.
(٢) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
