(حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ).
يحتمل قوله : (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) ، أي : يطلعك الله على نفاقهم ، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلف.
أو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم ؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك ؛ وإن لم تأذن لهم ، والذين صدقوا لا يفارقونك ، فيتبين هؤلاء من هؤلاء ، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء [المؤمنين](١).
وفي قوله : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ) دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر.
وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد ؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر ، لم يكن ليعاتبه على الإذن ، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم إنما يستأذنونه بالقعود (٢) للعذر.
فإن قيل : كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود ، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله : (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ) [النساء : ١٠٥].
قيل : يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل ؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن ؛ إذ به (٣) يتبين [له](٤) الصادق من الكاذب ، ويكون فيه آية من آيات الرسالة ، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل.
ويحتمل أن يكون قوله : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) تعليم من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضا ، ليس على العتاب.
ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله صلىاللهعليهوسلم على غيره من الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ بهذه الآية ؛ لأنه بدأ بذكر (٥) العفو ، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب ، لم يذكر زلته ، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.
وقوله ـ عزوجل ـ : (لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...) الآية.
أي : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر ، إنما يستأذنونك لعذر (إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) بالقعود لغير عذر.
(وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ).
__________________
(١) سقط في ب.
(٢) في أ : يستأذنون بالعفو.
(٣) في ب : لأن به.
(٤) سقط في ب.
(٥) في أ : يذكر.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
