إن أولي الأرحام بالميراث أولى من جملة المؤمنين ، وهو بيت المال ، فما دام واحد من هؤلاء فهو أولى بالميراث ، وعلى ذلك يخرج قولهم في العقل (١) : إنه على ذوي الأرحام ما داموا هم ، فإذا لم يكن أحد منهم فهو على جملة المؤمنين في بيت المال.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) بالعباد وما يكون منهم ، و (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) بما يحتاجون وما لا يحتاجون ، وهو حرف وعيد ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ).
أي : بعضهم أولى ببعض في حق التوارث من المؤمنين الذين هاجروا ، فنسخت هذه الآية حكم الميراث الذي ذكر في قوله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ؛ لأنه كان جعل التوارث بينهم بحق الإيمان والهجرة ، ثم نسخ ذلك وجعل الميراث بالرحم ؛ حيث قال : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) ؛ وكذلك ما ذكر في سورة الأحزاب حيث قال : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) [الأحزاب : ٦] ، فإذا لم يبق من الرحم أحد فبعد ذلك يكون جملة المؤمنين.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فِي كِتابِ اللهِ).
__________________
ـ نقول : الأقرب جنس يندرج تحته نوعان : الوالد والولد ، فذكر سبحانه النوع ، ثم ذكر الجنس ؛ فلم يلزم التكرار.
ـ أن أصل الفرض : الحز والقطع ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ «الفرض» بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل ، ظني ؛ فقالوا : لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأما الوجوب فهو عبارة عن السقوط يقال : وجبت الشمس ، إذا سقطت.
ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط ؛ فلهذا السبب خص لفظ «الفرض» عندهم : بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، ولفظ «الوجوب» : بما وجبه بدليل مظنون.
وهذا يقضي عليهم بأن الآية لم تتناول ذوي الأرحام ؛ لأن توريثهم ليس من باب ما عرف بدليل قاطع بالإجماع ؛ فلم يكن توريثهم فرضا ، والآية إنما تناولت التوريث المفروض ؛ فلزم القطع بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام.
هذا ، والحق أن الوجوب في اللغة هو الثبوت ، وأما مصدر الواجب بمعنى الساقط والمضطرب إنما هو «الوجبة» و «الوجيب» ، وإن كان استعمال الفرض فيما ثبت بقطعي والواجب فيما ثبت بظني شائعا مستفيضا ؛ كقولهم : الوتر فرض ، والصلاة واجبة.
ومن هذا التحقيق يتبين أنه لا وجه لرد الشافعية على الحنفية بهذا الوجه.
ينظر : المواريث لوهبة إبراهيم ص (٩٠ ـ ٩٧).
(١) العاقلة : صفة موصوف محذوف ، أي : الجماعة العاقلة. يقال : عقل القتيل ؛ فهو عاقل : إذا غرم ديته ، والجماعة : عاقلة ، وسميت بذلك ؛ لأن الإبل تجمع ، فتعقل بفناء أولياء المقتول ، أي : تشد في عقلها لتسلم إليهم ويقبضوها ؛ ولذلك سميت الدية : عقلا ، وقيل : سميت بذلك ؛ لإعطائها العقل الذي هو الدية ، وقيل : سموا بذلك ؛ لكونهم يمنعون عن القتال ، وقيل : لأنهم يمنعون من يحملونها عنه من الجناية ، لعلمهم بحملها.
ينظر : المطلع ص (٣٦٨).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
