أحدهما : يقول : ما كان لنبي أن يأخذ من الأسرى الفداء ، (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) أي : يغلب ، حتى إذا أخذ الفداء وسرحهم بعد ما غلب في الأرض ، يكون رجوعهم إلى غير منعة وشوكة ، وإذا لم يغلب في الأرض ، أي : حتى يصير الدين كله لله ؛ كقوله : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) الآية [البقرة : ١٩٣] ، هذا كان لمن قبله ، فرخص لرسوله ذلك.
وقيل في قوله : (لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) بوجوه :
أحدها : ما قال أبو بكر الأصم : تأويله : لو لا كتاب من الله سبق ألا يعذب المخطئين في عملهم على خلاف أمره ، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم من الأسارى والفداء منهم عذاب عظيم.
وقال آخرون (١) : قوله : (لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ) : أي : أحل الغنائم لهذه الأمة ، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم واستحللتم عذاب عظيم.
وقال بعضهم : لو لا كتاب من الله سبق أنهم يتوبون عما عملوا من الأخذ وغيره ، وأنه يتوب عليهم ، وإلا لمسكم العذاب [بذلك وأمكن أن يكون](٢) التأويل في غير هذا كان في قوله : (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) [الأنفال : ١٢] دلالة إباحة الأمر ورخصته ؛ لأنه قال : (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) هو الإبانة من المفصل الذي تبان به الرءوس ، وذلك قلما يمكن في القتال ، ولا يقدر إبانة الرءوس في الحرب ، إنما يمكن ذلك بعد ما أخذوا أو وقعوا في أيديهم.
وأما ما ذكر من ضرب البنان : فهو في الحرب ؛ لأنه في الحرب إنما يضرب فيما ظفر ووجد السبيل إلى ذلك ، ففيه دلالة.
وتأويل قوله : (لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ ...) الآية : يحتمل أن يكون ملحقا على ما سبق من قوله : (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ ...) الآية [الأنفال ٥ ـ ٦] ، أي : لو لا (٣) [أن] من حكم الله أن يجعل لكم الظفر على إحدى الطائفتين ، وإلا لمسكم العذاب بمجادلتكم رسول الله صلىاللهعليهوسلم
__________________
(١) أخرجه بمعناه ابن جرير (٦ / ٢٨٩) (١٦٣١٣) عن الضحاك ، و (١٦٣١٠) ، (١٦٣١١) عن ابن عباس.
وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٦٧) وزاد نسبته لإسحاق بن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس.
(٢) سقط في أ.
(٣) زاد في ب : «كتاب من الله سبق» أي : لو لا.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
