ذلك غير الله ما بهم من النعمة ، وكذلك قال ابن عباس (١) : نعمة من النعم إن تولوا عن شكرها ، غير الله عليهم وأخذها منهم.
والثاني : يحتمل النعمة الدينية ، وهو تكذيبهم الرسل وردهم الكتب بعد ما أقسموا أنهم يكونون أهدى من إحدى الأمم ، واختيارهم الشرك والكفر على الإسلام والتوحيد ، فإذا اختاروا تغيير ذلك ، غير عليهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ).
يخرج على وجهين :
أحدهما : النعمة الدنيوية ، لا تتغير تلك عليهم إلا بتغيير من قبلهم ؛ إما بترك الشكر لها ، وإما بصرفه إلى غير الذي أنعمها عليهم ، ولو غيرت عليهم غيرت ببدل ، فليس ذلك ـ في الحقيقة ـ تغيير (وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
قيل : أي : سميع لشكر من يشكره ويحمده ، عليم بزيادة النعمة إذا شكر.
ويحتمل : (سَمِيعٌ) أي : مجيب ، (عَلِيمٌ) : بمصالحهم.
ويحتمل أنه سميع لما أسروا من القول وجهروا به ، عليم بما أضمروا من العمل والشرور.
وقوله ـ عزوجل ـ : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ).
فإن قيل : ما فائدة تخصيص ذكر آل فرعون من بينهم؟
وما الحكمة في تكرار قوله : (آلِ فِرْعَوْنَ)؟
قيل : لما كانوا أقرب إلى هؤلاء من غيرهم ممن كان قبلهم.
ألا ترى أنه قال : (إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) [المزمل : ١٥].
أو أن يذكر أهل الكتاب منهم ؛ لما كانوا ينكرون بعث الرسل من غيرهم ، ويقولون : إن محمدا أمي بعث إلى الأميين مثله ، فقال : إن موسى لم يكن من القبط ، فبعث رسولا إليهم ؛ فعلى ذلك محمد [وإن](٢) كان أميّا فبعث إلى الأميين وغيرهم ، والله أعلم بذلك.
وأما فائدة التكرار ـ والله أعلم ـ : فهو أنه ذكر في الآية الأولى الأخذ بالذنوب والتعذيب ، ولم يبين ما كان ذلك العذاب ، فبين في الآية الأخرى أن ذلك العذاب هو
__________________
(١) ذكره البغوي في تفسيره (٢ / ٢٥٦) ، وكذا ابن عادل في اللباب (٩ / ٥٤٤).
(٢) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
