صد الناس عن سبيل الله ، واستكبارهم على المؤمنين ، وخروجهم لقتال أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ إنما عملوا بأنفسهم ، لا بالمؤمنين.
وقوله : (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ).
يحتمل ما ذكر من فعل الملائكة يوم بدر ؛ لأن الآية ذكرت في قصة بدر.
ويحتمل أن يكون ذلك في كل كافر أن الملائكة يفعلون به ما ذكر ؛ كقوله : (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ ...) [الأنعام : ٩٣] الآية ، هذا في كل كافر.
وقوله : (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ).
ليس على إرادة حقيقة الوجه والدبر ، ولكن على إرادة إيصال الألم إليهم بكل ضرب وبكل جهة ؛ كقوله : (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر : ١٦] ، ليس على إرادة التحت والفوق ، ولكن على إرادة إحاطة العذاب بهم ؛ فعلى ذلك الأول.
وقال بعضهم (١) : يضربون وجوههم في [حال](٢) إقبالهم [على](٣) المؤمنين ، وإدبارهم وانهزامهم منهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ).
ذكر تقديم اليد ، وإن كان الكفر من عمل القلب ؛ لما باليد يقدم في العرف.
وقوله : (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).
في الآية دلالة الرد على المجبرة ؛ لأنهم لا يجعلون للعبيد في أفعالهم صنعا ، يجعلون حقيقة الأفعال لله ، وذكر (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) ، فلو لم يكن لهم صنع ، لم يكن لقوله : (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) معنى ، وكذلك قوله : (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، فلو لم يكن لهم حقيقة الفعل ، لكان التعذيب ظلما ؛ دل أن لهم فعلا ، والله أعلم.
قوله : (لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).
فيما شرع من القتال ، والإهلاك ، والتعذيب في الآخرة ؛ لأنه مكن لهم ما يكسبون به النجاة والحياة الدائمة ، فما لحقهم مما ذكر ، إنما كان باكتسابهم واختيارهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ).
قال بعضهم (٤) : صنيع هؤلاء ، أي : صنيع أهل مكة بمحمد كصنيع فرعون وقومه
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٦٨) (١٦٢١٩) عن ابن عباس بنحوه ، وذكره البغوي في تفسيره (٢ / ٢٥٦).
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في ب.
(٤) انظر : تفسير الخازن والبغوي (٣ / ٥٤).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
