وجل ـ لئلا يكلوا إلى الكثرة ، ولا يعتمدوا على القوة ، ولا يضعفوا ، ولا يجبنوا ، ولا يخافوا غيره ؛ ليعرفوا أن ما أصابهم من الهزيمة والغلبة أصابهم لمعصية كانت منهم ، أو إعجابا بالكثرة ، واعتمادا بالقوة والأسباب ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً).
اختلف فيه ؛ قال بعضهم (١) : قوله : (فِي مَنامِكَ قَلِيلاً) المنام نفسه ، كان الله يرى رسوله المشركين في منامه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه بما رأى ، فقالوا : رؤيا النبي حق ، القوم قليل ، ليس كما بلغنا أنهم كثير. فلما التقوا ببدر ، قلل الله المشركين في أعين المؤمنين ؛ تصديقا لرؤيا رسول الله.
وقال الحسن (٢) : قوله : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً) أي : في عينيك اللتين تنام بهما ، وهو في اليقظة ؛ لأنه ذكر أنه قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «تنام عيني ولا ينام قلبي» (٣) ، وإنما أراه إياهم قليلا في العين التي بها ينام ، وهما عينا الوجه ، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود (٤) ـ رضي الله عنه ـ قال : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحب لي : تراهم سبعين ، فقال : أراهم مائة ، حتى أخذنا رجلا منهم ، فسألناه ، فقال : كنا ألفا.
فإن كان التأويل هذا الثاني أنه أراهم رسوله قليلا في اليقظة بالذي ينام ، فهو ظاهر.
وإن كان أراه إياهم في المنام حقيقة ، فلقائل أن يقول : إن رؤيا الرسول وحي ، فكيف أراه إياهم قليلا وهم كثير خلاف ما هو في الحقيقة؟!
قيل : يحتمل أن يكون أراه بعضهم لا الكل ، فهو حقيقة ما أراه إياهم ؛ فكذلك قيل ، والله أعلم.
وجائز أن يكون أرى أصحابه إياهم قليلا ، وإن أضاف ذلك إلى رسول الله ؛ دليله ما ذكر في آخره ؛ حيث قال : (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ) ، وذلك في القرآن كثير أن يخاطب به رسوله والمراد به غيره (٥).
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٥٨) (١٦١٦٥ ، ١٦١٦٦ ، ١٦١٦٧) عن مجاهد. وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٤١) وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.
(٢) ذكره ابن جرير (٦ / ٢٥٨) ، والبغوي في تفسيره (٢ / ٢٥٢) ، ونسبه للحسن البصري.
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٦٩).
(٤) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٥٩) (١٦١٧١ ، ١٦١٧٢ ، ١٦١٧٣) ، وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٤٢) ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود.
(٥) وهذه المسألة تتعلق بدخول الأمر في عموم متعلق أمر ، فالصور في هذا الأمر ثلاث صور هي :
ـ أن يأمر نفسه بلفظ خاص. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
