ويحتمل القضاء : إنشاء وخلق ، ولكن لينشئ الله ما قد علم أنه يكون كائنا ، والله أعلم.
وقوله : (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).
قال بعض أهل التأويل (١) : ليكفر من كفر بعد ذلك عن بينة وحجة أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان على الحق ، وكان صادقا ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) قال : ليموت من مات ، (وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) يقول : عن بيان وحجة.
وهو ـ والله أعلم ـ أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قد كان أتاهم بآيات حسية ، فسموه ساحرا ، وأخبرهم بالأنباء الماضية التي كانت في كتبهم ، فقالوا : (إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ، وقالوا : إنه معلم (إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) [النحل : ١٠٢].
وقد كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يخالفهم في جميع صنيعهم من عبادتهم الأصنام والأوثان دون الله ، وكان يخوفهم ويوعدهم بأشياء ، وكان لا يخافهم ، وهم كانوا رؤساء كبراء ، لا يخالفهم أحد في أمرهم ونهيهم إلا من كان به جنون ، فلما رأوا رسول الله خالفهم في جميع أمورهم نسبوه إلى الجنون ، وقالوا : (ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) [الذاريات : ٣٩] ، و (مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) [الدخان : ١٤] ؛ فأراد الله أن يجعل له آية عظيمة ؛ حتى لا يقدروا بالنسبة إلى شيء مما كانوا ينسبونه من قبل ، فوعدهم (٢) النصر والفتح يوم بدر بعد ما علم أولئك ضعف المؤمنين ، وقلة عددهم ، وقوة أنفسهم ، وكثرة عددهم ؛ لتكون حياة من حيي بعد ذلك عن بينة ، وموت من مات على مثل ذلك ، وإن كان له من الآيات ما لو لم يعاندوا ولا يكابروا عقولهم ، لكانت واحدة منها كافية.
فإن قيل : ما الحكمة في ذكر القصة من أولها إلى آخرها ، وهم قد علموا ذلك كله وشاهدوه؟!
قيل : يذكرهم الله ـ والله أعلم ـ الحال التي كانوا عليها [من الضعف والقلة والخوف وفقد أسباب الحرب والقتال وكثرة العدو وقوتهم ووجود أسباب الحرب والقتال ؛ ليعلم الخلق أن النصر والغلبة ليس يكون بالكثرة](٣) والقوة والأسباب ؛ ولكن بالله (٤) ـ عز
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٥٨) (١٦١٦٤) عن ابن إسحاق ، وذكره البغوي في تفسيره (٢ / ٢٥٢).
(٢) في أ : قواعد لهم.
(٣) سقط في أ.
(٤) في أ : الله.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
