__________________
ـ لفظيّا ، ويتعين المقصود بالقرائن ، فإذا قالوا : نكح فلان بنت فلان أو أخته ، أرادوا : تزوجها ، وعقد عليها ، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته ، لم يريدوا إلا الوطء ؛ لأنه بذكر المرأة أو الزوجة يستغني عن العقد ، ومن هنا نشأ الاختلاف بين الفقهاء : هل النكاح حقيقة في الوطء والعقد ، أو هو حقيقة في أحدهما ، مجاز في الآخر؟
فذهب جماعة إلى القول بأن لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد ، فيكون حقيقة فيهما. ودليلهم على هذا أنه شاع الاستعمال في الوطء تارة ، وفي العقد تارة أخرى بدون قرينة ، والأصل في كل ما استعمل في شيء : أن يكون حقيقة فيه ، إما بالوضع الأصلي ، أو بعرف الاستعمال ، فالقول بالمجازية فيهما أو في أحدهما خلاف الأصل.
وقد قال بعض الحنابلة : الأشبه بأصلنا أن النكاح حقيقة في الوطء والعقد جميعا ؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج ؛ لدخولها في قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ)[النساء : ٢٢].
وذهب الشافعية والمالكية ، وجمهور الفقهاء إلى القول بأن النكاح حقيقة في العقد ، مجاز في الوطء.
وذهب الحنفية إلى العكس ، والقول بأن النكاح حقيقة في أحدهما ، مجاز في الآخر أولى من الذهاب إلى الاشتراك اللفظي ؛ وذلك لما هو متقرر في كتب الأصول ، من أنه إذا دار لفظ بين الاشتراك والمجاز ، فالمجاز أولى ؛ لأنه أبلغ وأغلب. والمشترك يخل بالإفهام عند خفاء القرينة عند من لا يجيز حمله على معانيه ، بخلاف المجاز ؛ فإنه عند خفاء القرينة يحمل على الحقيقة ، فكونه حقيقة في أحدهما ، مجازا في الآخر أولى.
ثم الظاهر مذهب الجمهور القائل بأن النكاح حقيقة في العقد ، مجاز في الوطء ، وذلك :
أولا : لكثرة استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنة ، حتى قيل : إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد ، ولا يرد قول الله تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)[البقرة : ٢٣٠] ؛ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة ؛ وذلك للحديث المتفق عليه في قصة امرأة رفاعة لما بت طلاقها ، وتزوجها عبد الرحمن بن الزبير ، فقال لها رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا حتى تذوقي عسيلته ، ويذوق عسيلتك» ؛ فيكون معنى قوله تعالى : (حَتَّى تَنْكِحَ) : حتى تتزوج ، ويعقد عليها ، وقد بينت السنة أنه لا بد مع العقد ذوق العسيلة.
وثانيا : أنه يصح نفي النكاح عن الوطء ، فيقال : هذا الوطء ليس نكاحا ، ولو كان النكاح حقيقة في الوطء ، لما صح نفيه عنه.
وتظهر ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حرمة موطوءة الأب من الزنى ، فلما كان النكاح عند الحنفية حقيقة في الوطء الشامل للوطء الحلال والحرام ، قالوا بحرمة موطوءة الأب من الزنى ، ولما كان عند الجمهور حقيقة في العقد قالوا : لا تحرم موطوءة الأب من الزنى.
وقد عرفه الشافعية بقولهم : عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الإنكاح والتزويج ، وما اشتق منهما.
فقولهم : «عقد» جنس في التعريف ، وقولهم : «يتضمن إباحة وطء» خرج به ما لا يتضمن إباحة الوطء كالإجارة وغيرها ، وقولهم : «بلفظ الإنكاح والتزويج» خرج به ما لم يكن بهذا اللفظ كالهبة والتمليك.
وعرفه العلامة الدردير ـ رحمهالله ـ في «أقرب المسالك» فقال : هو عقد لحل تمتع بأنثى غير محرم ومجوسية وأمة كتابية بصيغة.
وعرفه الحنفية بأنه : عقد يفيد ملك المتعة قصدا.
وعرفه الحنابلة بأنه : عقد التزويج ؛ فهو حقيقة في العقد ، مجاز في الوطء على الصحيح. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
