وعن بعضهم (١) : أمانان أنزلهما الله ؛ أما أحدهما : فمضى ، وهو نبي الله ، وأمّا الآخر : فأبقاه الله ـ تعالى ـ بين أظهركم ، وهو الاستغفار والتوبة.
وفي إثبات قول السفهاء ودعائهم بإمطار الحجارة عليهم ، وجعل ذلك كتابا يتلى عليهم في الصلوات ـ أوجه ثلاثة من الحكمة :
أحدها : تعريف لهذه الأمة المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أنهم إذا (٢) تمادوا في غيهم واستقبلوه بالمكروه والأذى ألا يترك الأمر لهم بالمعروف ، ولا يؤيس من خيرهم اقتداء بالنبي أنه لم يترك دعاءهم ، وأمرهم بالمعروف مع شدة سفههم وتمردهم.
والثاني : ليعلم الخلق أن حجة الله تلزم العباد وإن كانوا قد جهلوه ، إذا كان التضييع جاء من قبلهم في ترك النظر والتفكر ؛ إذ لو علموا حقيقة العلم أنه الحق ، لم يكونوا ليدعوا على أنفسهم بالهلاك.
والثالث : يكون فيه بيان.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ).
أي : ما لهم من عذر في صرف العذاب عن أنفسهم ؛ إذ قد كان منهم من أنواع ما كان لو كان واحد من ذلك لكانوا يستوجبون العذاب ؛ من تكذيبهم الرسول والآيات التي أرسلها إليهم ، وصدهم الناس عن المسجد الحرام ، وهو مكان العبادة ، وسؤالهم بقولهم : (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) ، أي : ليس لهم عذر في صرف العذاب عن أنفسهم ، والاحتجاج على الله أنه لم يرسل رسولا بقولهم : (لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً ...) الآية [طه : ١٣٤] ؛ بل أرسل إليهم الرسول ، فكذبوه ، وبعث إليهم الآيات فكذبوها ، وصدّوا الناس عن المسجد الحرام ، فلا عذر لهم في وجه من الوجوه أن يصرف العذاب [عنهم](٣) ، إلا أن الله بفضله ورحمته يصرف العذاب عنهم ببركة النبي صلىاللهعليهوسلم واستغفار المؤمنين ، وإلا قد كان منهم جميع أسباب العذاب التي يستوجبونه بها.
__________________
ـ وأيضا (٣ / ١٤٩) باب القول في السجود في صلاة الكسوف ، وأحمد (٢ / ١٥٩) ، والحاكم (١ / ٣٢٩) وصححه من حديث عبد الله بن عمرو.
(١) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٣٤) (١٦٠١٧) عن أبي موسى الأشعري ، وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٣٠) وزاد نسبته لأبي الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري.
(٢) في أ : إنما.
(٣) سقط في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
