هذا (١) ـ والله أعلم ـ ليعلم الناس ما لحق رسول الله صلىاللهعليهوسلم بدعاء هؤلاء السفهاء إلى دين الله الذين لم يبالوا هلاك أنفسهم ؛ لشدة بغضهم الحق ، وجرأتهم على الله ، وما يتحمل منهم من العظيم.
وقوله : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ).
يحتمل قوله : (وَأَنْتَ فِيهِمْ) أي : في جملة المؤمنين أنه لا يعذب أحدا في الدنيا ما دام هو فيهم ، وما دام مؤمن فيهم بقوله : (وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، أي : يؤمنون ، وهو كما ذكر أنه أرسله رحمة بقوله : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء : ١٠٧] ، ومن رحمته ألا يعذب أحدا من أمته في الدنيا ، إنما يؤخر ذلك إلى يوم التناد بقوله : (إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ ...) [إبراهيم : ٤٢] وقوله : (وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) [القمر : ٤٦].
ويحتمل أن يكون قوله : (وَأَنْتَ فِيهِمْ) : في أهل مكة خاصة أنه لا يعذبهم ما دام هو فيهم ، وما دام فيهم أحد من المسلمين ؛ من نحو النساء والذراري ؛ كقوله : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ...) الآية [الفتح : ٢٥] ، أي : لا نعذبهم وأنت يا محمد فيهم ، أي : بين أظهرهم حتى نخرجك من بينهم ، (وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، أي : يصلون.
وقيل (٢) : يؤمنون ؛ وكذلك روي عن ابن عباس (٣) ـ رضي الله عنه ـ ولكن يعذبهم تعذيب القتال والجهاد ، ولا يعذبهم تعذيب استئصال على ما أهلك سائر الأمم.
ثم إن المعتزلة تعلقت بظاهر قوله ـ تعالى ـ : (وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، أي سيؤمنون ؛ أي : لا يعذبهم ما دام يعلم أن فيهم أحدا يؤمن في آخر عمره ، أو من قولهم ألا يجوز لله أن يهلك أحدا إذا كان في علمه أنه سيؤمن في آخر عمره ؛ لقولهم في الأصلح : إن الله لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدين ؛ فعلى ذلك تأولوا ظاهر هذه الآية أنه لا يعذبهم وهم يستغفرون ، أي : سيؤمنون.
لكن لو كان كما قالوا ، لكان لا يجوز الجهاد معهم أبدا ، ويسقط الأمر بالقتال ؛ إذ لعل فيهم من يسلم ، فإذا أمره بالجهاد والقتال معهم ، دل أن ذلك ليس ما توهموا ، والله أعلم.
__________________
(١) في ب : وهذا ذكر.
(٢) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٣٦) (١٦٠٢٩) عن الضحاك ، وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٣١) وزاد نسبته لعبد بن حميد والنحاس وأبي الشيخ عن الضحاك.
(٣) أخرجه ابن جرير (٦ / ٣٢٥) (١٦٠٢٧).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
