وأمرهم رجعت إلى أحد هذه الوجوه : إما القتل ، وإما الحبس ، [وإما الإخراج](١) ثم أخرج الله رسوله (٢) من بين أظهرهم على الوجه الذي يكون مطيعا لله ، متعبدا له فيما كان خروجه بأمره ، فيكون خروجه على غير الجهة التي أرادوا هم به ، وسمى خروجه هجرة ، وليعلموا أنه إنما علم بكيدهم ومكرهم به بالله ؛ لتكون آية من آيات نبوته ورسالته بعد خروجه من بين أظهرهم ، ومفارقته إياهم كما كان له من الآيات وقت مقامه بين أظهرهم ، وهو كما كان لعيسى آيات وقت مقامه بين أظهرهم ، وآية كانت له بالرفع بعد مفارقة قومهم ؛ فعلى ذلك الأول.
ولو كانوا [لم](٣) يتوافقوا بما ذكرنا من القتل أو الحبس دون الإخراج ، لم يكن ليخرج رسوله من بين أظهرهم ، وهم قد هموا بإخراجه ، والله أعلم.
وفي قوله : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ...) إلى آخر ما ذكر ، تذكير ما أنعم على رسوله وأصحابه ؛ لأنه آواهم إلى الأمن بعد ما كانوا خائفين فيهم ، وأنزلهم المدينة بعد ما كانوا في الغيران في الجبال هاربين منهم ، ورزقهم من الطيبات طعام البشر بعد ما كانوا يتناولون من طعام البهائم والسباع ؛ يذكر نعمه عليهم باستنقاذه إياهم من بين ظهرانيهم ، والحيلولة بينه وبين ما قصدوا وهموا بالمكر به والهلاك بقوله : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ).
فيه من الوجوه احتجاجا عليهم وجهان :
أحدهما : ما ذكرنا أنهم تشاوروا فيما بينهم بالمكر به لم يطلعوا أحدا ، ثم علم ذلك هو فخرج ؛ ليعلموا أن الله هو الذي أطلعه على ذلك.
والثاني : كان يخوفهم الهلاك بمكرهم برسوله ، فخرج من بينهم من غير أن أصابه ما هموا به ، وقد أصابهم من الهلاك الذي كان يخوفهم ، وحل بهم ما كانوا هموا به وقصدوه ، وذلك ما ذكر من مكر الله بهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ).
قال بعضهم : أرادوا هم بمكرهم به شرّا ، وهو أن يطفئوا هذا النور ؛ ليذهب هذا الدين وتدرس (٤) آثاره ، وأراد أن يسلم منهم نفر ليكونوا أعوانا ونصرا له ، ليأخذوا حظهم
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) في أ : لله ورسوله.
(٣) سقط في أ.
(٤) درس ، درسا ودروسا : عفا وذهب أثره. ينظر : المعجم الوسيط (١ / ٢٧٩) (درس).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
