أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة استحفظكم فيها ، فإن استعملتموها في غير ما أذن لكم فيها ، خنتم الله والرسول فيها ، فتخونوا أماناتكم التي لكم عند الله [إذا ضيعتم
__________________
ـ المذهب الأول :
يرى جمهور الفقهاء أن المودع إذا انتفع بالوديعة ، مثل : ركوب الدابة ، ولبس الثوب ـ يعد خيانة ، ويكون المودع ضامنا ، كما أن على المودع حينئذ أجرة المثل إن مضت مدة باستعماله الوديعة يقابل مثلها بأجرة ؛ لأنه بانتفاعه بدون إذن المالك صار كالغاصب ولم يعد أمينا ، ولا ينفعه عودته إلى الوفاق ، أي : إلى الأمانة كأن يعيد الوديعة إلى مكانها على نية ألا يعود إليها مرة ثانية.
المذهب الثاني :
يري الحنفية أنه إذا تعدى المودع على الوديعة ، ولم يترتب عليها ضرر من هذا التعدي ، وترك التعدي على نية ألا يعود إليه مرة ثانية ، ثم هلكت بلا تعد ولا تقصير ، يعني : إذا وقع الهلاك بعد أن عاد إلى الوفاق بعد التعدي ـ لا يلزم الضمان. هذا وقد قسم الحنفية عقود الأمانات إلى قسمين :
القسم الأول :
أمانات تقوم يد الأمين فيها مقام يد مالكها ، وهي الأمانات التي نفع يد الشخص الذي اتخذ أمينا على تلك الأمانات ، عائد إلى صاحب المال فقط كالوديعة ؛ لأن وضع يد المودع في الوديعة وفائدته عائدان إلى المودع الذي هو صاحب المال وليس للمودع في وضع اليد هذا نفع دنيوي ما ، وفي هذا القسم من الأمانات إذا رجع الأمين ، يد صاحب المال تقديرا ، فمن عاد إلى الوفاق بعد التعدي تكون الوديعة كأنها أعيدت ليد صاحب المال.
مثال : إذا ركب المودع الحيوان المودع بلا إذن ، واستعمله بهذا الوجه ـ يكون قد تعدى ، ويصير في حكم الغاصب إلا أنه يعد استعماله إياه على هذه الصورة ودون أن يترتب عليه ضرر ما إذا ترك الركوب على ألا يتعدى ، أي : لا يركبه مرة ثانية ، وحفظه كما في السابق ـ يصير بريئا ، وتعود يده إلى الأمانة كما كانت ، حتى إذا هلك الحيوان أو فقد بعد ذلك بلا تعد أو تقصير لا يلزم الضمان.
أما إذا ركبه يوما ، ثم تركه على نية ركوبه غدا ، وسرق تلك الليلة أو هلك ـ ضمنه المودع.
القسم الثاني :
الأمانات التي نفع وضع يد الشخص الذي اتخذ أمينا عليها ، وفائدة عمله يعودان إلى صاحب المال ، غير أن يد الأمين لا تقوم مقام يد المالك ، بل للأمين نفع فيها ، والحفظ ليس بالمقصود الأصلي من العقد ، بل تبعا لاستيفاء المنفعة كالعارية والإجارة ففي هذه الأمانات لا يبرأ الأمين من الضمان بعودته إلى الوفاق بعد التعدي.
وخلاصة ما تقدم من تقسيم الأمانات عند الحنفية ، فإننا نجد أنهم يفرقون بين التعدي بالانتفاع بالوديعة وبين غيرها من عقود الأمانات ، كما أنهم يفرقون أيضا بين حالة إلحاق الضرر أو نقص في الشيء المودع أو لا.
فالانتفاع بالوديعة دون ضرر أو نقص لا يعد سببا للضمان إن عاد المودع إلى الوفاق وترك الخيانة ، وفي غير الوديعة تعد.
وبعد هذا العرض لآراء الفقهاء في هذه المسألة ، نرى أن الراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من ضمان المودع للوديعة إذا أخرجها من حرزها للانتفاع بها ، سواء لحقها ضرر أو نقصان أو لا ؛ وذلك لقوة أدلتهم. والله أعلم.
ينظر : أسنى المطالب (٣ / ٨٦) ، وروضة الطالبين (٦ / ٣٣٤) ، والشرح الصغير (٣ / ٣٣٤) ، والمغني مع الشرح الكبير (٧ / ٢٩٦) ، وتكملة رد المحتار (٨ / ٣٥٦).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
