قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة : ٨٩] ، أي : يستنصرون ، ويكون طلب الحكم والقضاء بين الحق والباطل ؛ يقال (١) : فتح بكذا ، أي : حكم به وقضى ، فهو يخرج على وجهين : على طلب بيان المحق من المبطل ، وطلب بيان أحق الدينين بالنصر والحكم ؛ فقد بين الله لهم أحق الدينين ما ذكر في القصة (٢) أن أبا جهل (٣) قال : اللهم اقض بيننا
__________________
(١) وعن ابن عباس : «ما كنت أدري ما معنى «الفتاح» حتى اختصم إلى أعرابيان ، فقال أحدهما : افتح بيننا» ، وهي الفتاحة ـ بالضم ـ : أي الحكومة ، وعليه قول الشاعر :
وإني عن فتاحتكم غنيّ
وقوله : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ) أي : احكم ، وإنما قيل للقاضي : فتاح ؛ لأنه ينصر المظلوم.
والفتح : النصر ، كقوله تعالى : (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) ، وقوله : (وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا). وقيل : لأنه يفتح ما أغلق على غيره من الأحكام.
وقوله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) أي : قضينا قضاء محكما ، وعنى به صلح الحديبية ، وقيل : فتح مكة ، والمعنى : فتحا ظاهرة بركته ؛ فإنه من حينئذ كثر الإسلام واتسع نطاقه.
والفتح في الأصل إزالة الإغلاق والإشكال ، وهو نوعان : أحدهما : مدرك بالبصر ، نحو : فتحك الباب والقفل والمتاع ، كقوله تعالى : (فُتِحَتْ أَبْوابُها) ، (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ) والثاني : مدرك بالبصيرة ، كفتح الهم وهو إزالة الغم ، وذلك ضربان : أحدهما في الأمور الدنيوية كغم يفرج وفقر يزال بمنح المال. والثاني : فتح ما استغلق من العلم نحو : الشافعي فتح بابا مغلقا من العلم ، وهذا مقول في قوله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) ، عنى تعالى ما فتحه عليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ من العلوم الإلهية والهدايات الدينية التي هي ذرائع إلى نيل أعلى المقامات المحمودة وإصابة الثواب الجزيل وسبب في غفران الذنوب ؛ ولذلك عقبه بقوله تعالى : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ)[الفتح : ٢].
ويعبر بالفتح عن توسعة الرزق ، كقوله تعالى : (فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) وقوله تعالى : لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ المعنى : لوسعنا عليهم الرزق ، ولأقبلنا عليهم بالخيرات من كل وجه.
وقوله تعالى : (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ) قيل : معناه : إزالة الشبهة والشك الذي كانوا فيه من قيام القيامة ومشاهدة الساعة وأهوالها ، وقيل : ما كانوا يستفتحون من العذاب ويطلبونه ؛ لأن الاستفتاح طلب الفتح.
ويعبر بالفتح عن الابتداء بالشيء ، يقال : افتتحت كذا بكذا ، ومنه سميت فاتحة الكتاب للابتداء بها فيه. وفاتحة كل شيء : مبدؤه الذي يفتح به ما بعده.
ينظر : عمدة الحفاظ (٣ / ٢٣٢ ، ٢٣٣) ، والنهاية (٣ / ٤٠٧) ، واللسان (فتح).
(٢) أخرجه ابن جرير (٦ / ١٨٨) (١٥٧٤٨) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٠٧) وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس.
(٣) هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي : أشد الناس عداوة للنبي صلىاللهعليهوسلم في صدر الإسلام ، وأحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها في الجاهلية ، قال صاحب عيون الأخبار : سودت قريش أبا جهل ولم يطرّ شاربه ، فأدخلته دار الندوة مع الكهول. أدرك الإسلام وكان يقال له : «أبو الحكم» ، فدعاه المسلمون «أبا جهل». سأله الأخنس بن شريق الثقفي ـ وكانا قد استمعا شيئا من القرآن ـ : ما رأيك يا أبا الحكم فيما سمعت من محمد؟ فقال : ما ذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه؟! ... والله لا نؤمن به ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
