يزول (١) أحدهم عما هو فيه ، ولا يزيغ عن ذلك ، وإن ابتلاه الله ـ تعالى ـ بأنواع الشدائد والبلايا ؛ ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله : (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) [الفرقان : ٣٢] ، وقوله : (وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ) ، وقوله : (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ) [الكهف : ١٤] ، وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه ؛ فهو ـ والله أعلم ـ عقوبة لهم لما اختاروا ذلك.
وقوله : (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ).
قيل (٢) : وسوسة الشيطان ، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم القنوط (٣) ، ويوسوسهم ، ويقول لهم : تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم تصلون مجنبين (٤) ، فأمطر الله عليهم مطرا شديدا ، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب عنهم رجز الشيطان ، ونشف الرمل حين أصابه المطر ، فمشى (٥) الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم ، وأمدّ
__________________
ـ النفس ؛ فإنها كمن أقيم في ثغر وفوض إليه مراعاته ، فيحتاج أن يراعيه غير مخل به. وذلك كالمجاهدة ، وفي الحديث أن من المرابطة : «انتظار الصلاة بعد الصلاة» ، وفلان رابط الجأش : إذا قوي قلبه ، وقوله تعالى : (وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ) إشارة إلى نحو قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) عكس من قال فيهم : (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ).
ينظر : عمدة الحفاظ (٢ / ٦٨ ، ٦٩).
(١) في أ : يشدها حتى لا يزال.
(٢) أخرجه ابن جرير (٦ / ١٩٥) ، (١٥٧٨٩) و (١٥٧٩٠) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦ / ٣١٠ ـ ٣١١) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) القنوط : اليأس من الخير ، يقال : قنط ـ بالفتح ـ وقنط ـ بالكسر ـ ولم يقرأ إلا بالأول ، وقرئ المضارع بالوجهين في المتواتر.
ينظر : عمدة الحفاظ (٣ / ٤٠١).
(٤) من الجنابة : أصلها : البعد من الجنب ، وهو : البعيد ، وسمي الجنب جنبا ؛ لتباعده عن المسجد ، قال علقمة بن عبدة :
|
فلا تحرمني نائلا عن جنابة |
|
فإني امرؤ وسط القباب غريب |
أي : عن بعد. وقوله تعالى : (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) أي : عن بعد ، وكذا : (وَالْجارِ الْجُنُبِ) هذا هو الأصل ، ثم كثر استعماله حتى قيل لكل من وجب عليه غسل من جماع : جنب ، يقال : رجل جنب ، وامرأة جنب ، ورجال جنب ، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث ، وربما قالوا في جمعه : أجناب وجنبون ، يقال في فعله : أجنب الرجل وجنب ـ بالضم ـ ويكون أيضا بمعنى الاعتزال ، يقال : نزل فلان جنبة ، أي : ناحية واعتزل الناس.
ينظر : النظم المستعذب (١ / ٤١ ـ ٤٢) ، وتهذيب اللغة (١١ / ١١٨) ، والنهاية (١ / ٣٠٢) ، والصحاح (جنب) ، والعين (٦ / ١٥١) ، وتفسير غريب القرآن (٣٢٩) ، وغريب الخطابي (٣ / ٦٩).
(٥) في ب : مشى.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
