عباس يدل على ذلك.
وقد أجمع أهل العلم على ما ذكره عبادة في آخر حديثه ، فقالوا جميعا (١) : إن الغنيمة
__________________
(١) اتفق الفقهاء على أن المنفول من الغنيمة يجب تخميسه وإعطاء خمسه لمن سماهم الله ـ عزوجل ـ في قوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ، وأربعة أخماسه للغانمين.
فالكلام هنا في موضعين : الأول : قسمة الخمس ، الثاني : قسمة الأخماس الأربعة.
قسمة الخمس :
أما الخمس فقد اختلف الفقهاء في حكمه :
فرأي الإمام مالك أن أمره موكول إلى الإمام يصرفه حيث يرى المصلحة ، وأن الجهات المذكورة في الآية ليست بيانا للاستحقاق بحيث يتقيد الصرف بها ولا يجوز إلى غيرها ، بل هي بيان للمصرف ، فيجوز للإمام إذا رأى المصلحة في غير الصرف إليهم أن يفعل ما يراه ؛ كأن يضع الخمس في بيت المال ، ثم يصرف منه على الفقراء وعلى مصالح المسلمين.
ورأى الباقون أنه لا يجوز الخروج بالخمس عما بينه الله ، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في موضعين :
الأول : عدد الجهات التي يصرف إليها.
الثاني : هل الجهات التي ثبت الصرف لها يصرف إليها على سبيل الاستحقاق والملك ، بحيث لا يصح حرمان صنف منها ، أم على جهة بيان المصرف فيجوز إعطاء جميعه لبعض تلك الجهات دون بعض؟
فذهب الإمامان الشافعي وأحمد إلى أن الجهات هي : الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وذوو القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، وأن الصرف إليها على سبيل الاستحقاق ؛ فلا يجوز حرمان جهة منها.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الجهات التي يصرف إليها بعد وفاة الرسول صلىاللهعليهوسلم هي : اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، وأن الصرف إليها ليس على سبيل الاستحقاق حتى يجب الصرف إلى الجميع ، بل يجوز الاقتصار على إعطاء البعض دون البعض.
وأصل هذا الخلاف خلافهم في آية الصدقات : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[التوبة : ٦٠].
فذهب الشافعي إلى أن اللام فيها للملك والاستحقاق ؛ فلا بد من إعطاء الجميع ، وقرر ذلك نفسه في آية الغنيمة.
وذهب الحنفية إلى أنها لبيان المصرف ؛ فلا يلزم الصرف إلى الجميع ، وقرروا ذلك أيضا في الغنيمة فلم يوجبوا الصرف فيها إلى الجميع.
وأما أحمد فقد وافق الحنفية في آية الصدقات ، ولم يوجب الصرف إلى الجميع ، غير أنه خالفهم في آية الغنيمة ، ووافق الشافعية فيها فأوجب الصرف إلى الجميع ، ولعل وجهه : أن الغنيمة سببها قوة الغانمين واستيلاؤهم عليها بالحوز والنصرة ، فكانت بذلك كالحاصل لهم ببذل أنفسهم وقوتهم ؛ فتكون للملك وللمصرف ، والصدقات تخالفها في ذلك.
وقد استدل الإمام مالك على رأيه في الخلاف بينه وبين الأئمة بما يأتي :
أولا ـ أنه روي في الصحيح أن النبي صلىاللهعليهوسلم «بعث سرية قبل نجد ، فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيرا ، ونفلوا بعيرا بعيرا». ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
