فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول (١) ، فسألوا رسول (٢) الله أن يعطيهم منها ، فقال : (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ، ليس لكم فيها شيء (٣).
ويحتمل أن تكون الأنفال هي فضول المغانم ؛ على ما قال بعضهم ؛ نحو ما روي في الأخبار أن منهم من أخذ كبة (٤) فقال : اجعلها لي يا رسول الله ، وأخذ الآخر سيفا وقال : اجعله لي ، ونحو ذلك كانوا يسألون رسول الله ذلك ، فقال : (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).
ويحتمل أن يكون سؤالهم عن التنفيل : أن ينفلهم الرسول بعد ما وقع في أيديهم ، أو بعد ما انهزم الكفار وأدبر العدو ، وإنما يجوز للإمام التنفيل في حال إقبال الحرب ، وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : النفل ما لم يلتق الزحفان أو الصفان ، فإذا التقيا فهو مغنم.
وروي عن مصعب بن سعد (٥) عن أبيه سعد قال : نزلت في أربع آيات : جرى أنه يوم
__________________
ـ أربعمائة ، يبعثها الأمير لقتال العدو ، أو التجسس علي الأعداء ، وسميت سرية ؛ لأنهم يسرون بالليل ويكمنون بالنهار لقلة عددهم.
ينظر : نهاية المحتاج (٨ / ٦١) ، وحاشية الجمل (٥ / ٢٩٢) ، وحاشية القليوبي (٤ / ٢١٧) ، والسير الكبير (١ / ٦٨).
(١) من معاني الغلول في اللغة : الخيانة ، يقال : غل من المغنم غلولا ، أي : خان ، وأغل : مثله.
والغلول في الاصطلاح : أخذ شيء من الغنيمة قبل القسمة ولو قل ، أو الخيانة من الغنيمة قبل حوزها ، أو الخيانة من المغنم ؛ لأن صاحبه يغله ، أي : يخفيه في متاعه. أو : هو السرقة من المغنم. وعرف ابن قدامة الغال بأنه : الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة ، فلا يطلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة. وقال النووي : وأصل الغلول : الخيانة مطلقا ، وغلب استعماله خاصة في الخيانة في الغنيمة.
واتفق الفقهاء علي أن الغلول حرام ؛ لقوله تعالى : (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ)[آل عمران : ١٦١] ولقول الرسول صلىاللهعليهوسلم : «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره ، ولا أن يبتاع مغنما حتى يقسم ، ولا أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه ، ولا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه».
قال النووي : أجمع المسلمون علي تغليظ تحريم الغلول ، وأنه من الكبائر ، وأجمعوا علي أن عليه رد ما غله.
ينظر : مختار الصحاح (غلل) ، والمصباح المنير (غلل) ، والشرح الصغير (٢ / ٢٧٩) ، والبحر الرائق (٥ / ٨٣) ، وابن عابدين (٣ / ٢٢٤) ، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٢ / ٢١٧).
(٢) في أ : ولرسول.
(٣) أخرجه ابن جرير (٦ / ١٤٧) (١٥٧٩). وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٢٩٤) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس.
(٤) هي ما جمع علي شكل كرة أو أسطوانة ، ينظر : المعجم الوسيط (٢ / ٧٧٢) [كبب].
(٥) مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري ، أبو زرارة المدني. عن : أبيه وعلي وغيرهما ، وعنه : ابن أخيه إسماعيل بن محمد ، وطلحة بن مصرف ، وطائفة. قال ابن سعد : ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاث ومائة. ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
