وأيضا قول موسى : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ...) الآية ولو كان لا يجوز الرؤية لكان منه جهل بربه ، ومن يجهله لا يحتمل أن يكون موضعا لرسالته ، أمينا على وحيه.
وبعد فإنه لم ينهه ولا آيسه ، وبدون ذلك قد نهى نوحا وعاتب آدم وغيره من الرسل ، وذلك لو (١) كان لا يجوز لبلغ الكفر ثم قال : فإن استقر مكانه فسوف تراني.
فإن قيل : لعله سأل آية ليعلم بها (٢)؟
قيل : لا يحتمل ذا ؛ لوجوه :
أحدها : أنه قال : (لَنْ تَرانِي) ، وقد أراه الآية.
وأيضا أن طلب الآيات يخرج مخرج التعنت ؛ إذ قد أراه الآيات على ما ذكرنا ، وذلك
__________________
ـ التعليق ربط العدم بالعدم مع السكوت عند ربط الوجود بالوجود ، كان الرد هينا وهو خلاف المتبادر من اللغة ؛ لأنك إذا قلت : إن ضربتني ضربتك ، كان المراد منه الربط في جانبي الوجود والعدم معا ، لا في جانب العدم فقط.
ومن معتمد أهل السنة في الجواز أيضا ، قوله تعالى : (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً)[الكهف : ١١٠] وقوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)[البقرة : ٢٢٣] وقوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)[الرعد : ٢] وقوله تعالى : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ)[يونس : ٤٥] وقوله تعالى : (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)[البقرة : ٤٦] فترى أهل السنة أن اللقاء في هذه الآيات بمعنى الرؤية.
وبيان ذلك : أن اللقاء مشترك بين الوصول المكاني والوصول بالرؤية ، فيقال في الضرير : لقى الأمير ، إذا أذن له ، ويقال للبصير : لقيه ، بمعنى : رآه ، وما لقيه ، أي : ما وصل إليه ، والوصول المكاني محال على الله ـ تعالى ـ فيكون الوصول بمعنى الرؤية ، وهو المطلوب.
قالت المعتزلة : ما ذكرتموه يتنافى وقول الله تعالى : (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ)[التوبة : ٧٧] ، وبديهي أن المنافق لا يرى ربه ، وقوله تعالى : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً)[الفرقان : ٦٨] ، وقوله تعالى في معرض التهديد : (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ)[البقرة : ٢٢٣] وهذا التهديد يتناول المؤمن والكافر ، والكافر لا يرى ربه.
كذلك يتنافى وقوله ـ عليه الصلاة والسّلام ـ : «من حلف على يمين ليقتطع به مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» ، ولا يعقل أن المراد : يرى ربه ؛ لأن ذلك وصف أهل النار.
وأجابت أهل السنة : بأن اللقاء لغة : عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يمسه بسطحه ، يقال لقي هذا ذاك ، إذا ماسه واتصل به ، ولما كانت الملاقاة بين الجسمين المدركين سببا لحصول الإدراك ، وحيث امتنع إجراء اللفظ على المماسة ـ وجب حمله على الإدراك المسبب عن اللقاء الذي هو سبب له ، وإطلاق السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز.
وما ادعيتموه من الآيات والحديث لم يحمل على الإدراك ، وإنما يحمل على إضمار لفظ الحساب أو الجزاء للضرورة ، بخلاف ما ذكرناه ؛ فلا ضرورة لصرفه عن ظاهره ولا لإضمار هذه الزيادة ؛ فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله سبحانه وتعالى. ينظر الرؤية لعبد الفضيل طلبة ص (١٣ ـ ٣٢) خ.
(١) في ب : ولو.
(٢) في ب : لعلي سألت آية يعلم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
