مشتملا على الهدى والنور مصدقا لما بين يديه من التوراة ؛ وقيل : إن مصدّقا معطوف على مصدّقا الأوّل فيكون حالا من عيسى مؤكدا للحال الأوّل ومقرّر له. والأوّل أولى لأن التأسيس خير من التأكيد. قوله : (وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) عطف على مصدّقا داخل تحت حكمه منضما إليه : أي مصدقا وهاديا وواعظا للمتقين. قوله : (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) هذا أمر لأهل الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه ، فإنه قبل البعثة المحمدية حقّ ، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما أنزل الله على محمد صلىاللهعليهوسلم في القرآن الناسخ لكل الكتب المنزلة. وقرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل من (لْيَحْكُمْ) على أنّ اللام لام كي ، وقرأ الباقون بالجزم على أنّ اللام للأمر. فعلى القراءة الأولى تكون اللام متعلقة بقوله : وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه ، وعلى القراءة الثانية هو كلام مستأنف. قال مكي : والاختيار الجزم ، لأنّ الجماعة عليه ، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدلّ على أنه إلزام من الله لأهل الإنجيل. وقال النحاس : والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان لأن الله سبحانه لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه. قوله : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) خطاب محمد صلىاللهعليهوسلم ، والكتاب : القرآن ، والتعريف للعهد ، و (بِالْحَقِ) متعلق بمحذوف وقع حالا : أي متلبسا بالحق ؛ وقيل : هو حال من فاعل أنزلنا ؛ وقيل : من ضمير النبي صلىاللهعليهوسلم و (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) حال من الكتاب ، والتعريف في الكتاب أعني قوله : (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ) للجنس ؛ أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه متلبسا بالحق ، وحال كونه مصدّقا لما بين يديه من كتب الله المنزلة ؛ لكونه مشتملا على الدعوة إلى الله والأمر بالخير والنهي عن الشرّ ، كما اشتمل عليه قوله : (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) عطف على مصدّقا ، والضمير في عليه عائد إلى الكتاب الذي صدقه القرآن وهيمن عليه ، والمهيمن الرقيب ؛ وقيل : الغالب المرتفع ؛ وقيل : الشاهد ، وقيل : الحافظ ؛ وقيل : المؤتمن. قال المبرد : أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء ، كما قيل في أرقت الماء هرقت ، وبه قال الزجاج وأبو عليّ الفارسي. وقال الجوهري : هو من أمن غيره من الخوف ، وأصله أأمن فهو مؤامن بهمزتين قلبت الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤيمن ثم صيرت الأولى هاء ، كما قالوا : هراق الماء وأراقه ، يقال : هيمن على الشيء يهيمن : إذا كان له حافظا ، فهو له مهيمن كذا عن أبي عبيد. وقرأ مجاهد وابن محيصن (مُهَيْمِناً عَلَيْهِ) بفتح الميم ، أي هيمن عليه الله سبحانه. والمعنى على قراءة الجمهور : أن القرآن صار شاهدا بصحة الكتب المنزلة ومقرّرا لما فيها مما لم ينسخ ، وناسخا لما خالفه منها ، ورقيبا عليها وحافظا لما فيها من أصول الشرائع ، وغالبا لها لكونه المرجع في المحكم منها والمنسوخ ، ومؤتمنا عليها لكونه مشتملا على ما هو معمول به منها وما هو متروك. قوله : (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) أي بما أنزله إليك في القرآن لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) أي أهواء أهل الملل السابقة. وقوله : (عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ) متعلّق بلا تتبع على تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف (عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ) متبعا لأهوائهم ؛ وقيل متعلّق بمحذوف : أي لا تتبع أهواءهم عادلا أو منحرفا عن الحق. وفيه النهي له صلىاللهعليهوسلم عن أن يتبع أهوية أهل الكتاب ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه ، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه وما أدركوا
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
