عن التغيير والتّبديل ، والجار والمجرور متعلق بيحكم : أي يحكمون بها بسبب هذا الاستحفاظ. قوله : (وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ) أي على كتاب الله ، والشهداء : الرقباء ، فهم يحمونه عن التغيير والتبديل بهذه المراقبة ، والخطاب بقوله : (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ) لرؤساء اليهود ، وكذا في قوله : (وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً) والاشتراء الاستبدال ، وقد تقدّم تحقيقه. قوله : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) لفظ (مِنْ) من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختصّ بطائفة معينة بل بكل من ولي الحكم ؛ وقيل : إنها مختصّة بأهل الكتاب ؛ وقيل : بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة ؛ وقيل : هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا ، أو استحلالا ، والإشارة بقوله : (فَأُولئِكَ) إلى من ، والجمع باعتبار معناها ، وكذلك ضمير الجماعة في قوله : (هُمُ الْكافِرُونَ).
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) قال : هم اليهود (مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) قال : هم المنافقون. وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عنه قال : إن الله أنزل (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)(الظَّالِمُونَ الْفاسِقُونَ) أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية ، حتى اصطلحوا على أن كلّ قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا ، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق ، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلىاللهعليهوسلم المدينة ، فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلىاللهعليهوسلم ورسول الله صلىاللهعليهوسلم يومئذ لم يظهر عليهم ، فقتلت الذليلة من العزيزة ، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق ، فقالت الذليلة : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد ودية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم ، فأما إذ قدم محمد صلىاللهعليهوسلم فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهما ، ثم ارتضوا على أن جعلوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم بينهما ، ففكّرت العزيزة فقالت : والله ما محمد يعطيكم منهم ضعف ما نعطيهم منكم ، ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيما وقهرا لهم ، فدسّوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم من يخبر لكم رأيه ، فإن أعطاكم ما تريدون حكّمتوه ، وإن لم يعطكم حذرتموه ولم تحكّموه ؛ فدسّوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ناسا من المنافقين يختبرون لهم رأيه ، فلما جاءوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا ، فأنزل الله (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ) إلى قوله : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) ثم قال فيهم : «والله فيهم أنزلت وإياهم عنى». وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال : «أوّل مرجوم رجمه رسول الله صلىاللهعليهوسلم من اليهود ، زنى رجل منهم وامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبيّ ، فإنه نبيّ بعث بالتخفيف ، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا : فتيا نبيّ من أنبيائك ، قال : فأتوا النبيّ صلىاللهعليهوسلم وهو جالس في المسجد وأصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منّا زنيا ، فلم يكلّمهم حتى أتى بيت مدراسهم ، فقام على الباب فقال : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
