قوله (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ) أي : من بعد خروجه إلى الطور (مِنْ حُلِيِّهِمْ) متعلّق ب : اتّخذ أو بمحذوف وقع حالا ، ومن للتبعيض ، أو للابتداء ، أو للبيان ، والحلي : جمع حلي ، وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة (مِنْ حُلِيِّهِمْ) بضم الحاء وتشديد الياء. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما بكسر الحاء. وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء ، قال النحاس : جمع حلي وحلي وحلي مثل ثدي وثدي وثدي ، والأصل حلوي أدغمت الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها الياء وتكسر الحاء لكسرة اللام وضمها على الأصل ، وأضيفت الحلي إليهم وإن كانت لغيرهم لأن الإضافة تجوز لأدنى ملابسة ، و (عِجْلاً) مفعول اتخذ ، وقيل : هو بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين ثانيهما محذوف ، أي : اتخذوا عجلا إلها ، و (جَسَداً) بدل من عجلا ، وقيل : وصف له ، والخوار : الصياح ؛ يقال : خار يخور خوارا إذا صاح ، وكذلك جأر يجأر جؤارا. ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعا مع أنه اتخذه السامريّ وحده لكونه واحدا منهم ، وهم راضون بفعله. روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة ، قال السامري لبني إسرائيل ، وكان مطاعا فيهم : إنّ معكم حليا من حلي آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد وخرجتم وهو معكم ، وقد أغرق الله أهله من القبط فهاتوها ، فدفعوها إليه فاتخذ منها العجل المذكور. قوله (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ ، أي : ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتّخذوه إلها لا يقدر على تكليمهم ، فضلا عن أن يقدر على جلب نفع لهم ، أو دفع ضرّ عنهم (وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) أي : طريقا واضحة يسلكونها (اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ) أي : اتخذوه إلها (وَكانُوا ظالِمِينَ) لأنفسهم في اتخاذه أو في كل شيء ، ومن جملة ذلك : هذا الاتخاذ. قوله (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) أي : ندموا وتحيّروا بعد عود موسى من الميقات ؛ يقال للنادم المتحيّر : قد سقط في يده. قال الأخفش : يقال سقط في يده وأسقط ، ومن قال : سقط في أيديهم على البناء للفاعل ، فالمعنى عنده : سقط الندم ، وأصله أن من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعضّ يده غما فتصير يده مسقوطا فيها ، لأن فاه قد وقع فيها. وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم : معنى سقط في أيديهم : أي في قلوبهم وأنفسهم ، كما يقال : حصل في يده مكروه ، وإن كان محالا أن يكون في اليد ، تشبيها لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد ؛ لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد ، قال الله تعالى : (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) وأيضا الندم وإن حلّ القلب فأثره يظهر في البدن ، لأن النادم يعضّ يده ويضرب أحدى يديه على الأخرى ، قال الله تعالى : (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) (١) ومنه (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ) (٢) أي : من الندم ، وأيضا : النادم يضع ذقنه في يده (وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) معطوف على سقط ، أي : تبينوا أنهم قد ضلوا باتخاذهم العجل وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه (قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا) قرأ حمزة والكسائي بالفوقية في الفعلين جميعا ، وقرأ الباقون بالتحتية ، واللام للقسم ، وجوابه (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) وفي هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال ، وسيأتي في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى ، وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد. قوله (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ
__________________
(١). الكهف : ٤٢.
(٢). الفرقان : ٢٧.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
