عنده في الجملة ، ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها ، والجواب بقوله (لَنْ تَرانِي) يفيد أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه ، أو أنه لا يرى ما دام الرّائي حيا في دار الدنيا ، وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة ، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة ، ومنهج الحقّ واضح ، ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه آباءه وأهل بلده ، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب ، والمتعصّب وإن كان بصره صحيحا فبصيرته عمياء ، وأذنه عن سماع الحق صمّاء ، يدفع الحقّ وهو يظنّ أنه ما دفع غير الباطل ، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحقّ ؛ غفلة منه وجهلا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح ، وتلقي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم ، وما أقلّ المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع ، فإنه صار بها باب الحقّ مرتجا ، وطريق الإنصاف مستوعرة ، والأمر لله سبحانه ، والهداية منه :
|
يأبى الفتى إلا اتّباع الهوى |
|
ومنهج الحقّ له واضح |
جملة (قالَ لَنْ تَرانِي) مستأنفة ، لكونها جوابا لسؤال مقدّر ، كأنه قيل : فما قال الله له؟ والاستدراك بقوله (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) معناه أنك لا تثبت لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرما وصلابة وقوّة ، وهو الجبل فانظر إليه (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) ولم يتزلزل عند رؤيتي له (فَسَوْفَ تَرانِي) وإن ضعف عن ذلك فأنت منه أضعف ، فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى عليهالسلام بالجبل ؛ وقيل : هو من باب التعليق بالمحال ، وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدّمنا.
وقد تمسك بهذه الآية كلا طائفتي المعتزلة والأشعرية ؛ فالمعتزلة استدلوا بقوله (لَنْ تَرانِي) ، وبأمره بأن ينظر إلى الجبل ، والأشعرية قالوا : إنّ تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدلّ على أنها جائزة غير ممتنعة ، ولا يخفاك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله ، والخلاف بينهم هو فيها ، لا في الرؤية في الدنيا فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة وكلامهم فيها معروف. قوله (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) تجلى معناه : ظهر ، من قولك جلوت العروس : أي أبرزتها. وجلوت السيف : أخلصته من الصدأ ، وتجلى الشيء : انكشف. والمعنى : فلما ظهر ربه للجبل جعله دكا ، وقيل المتجلي : هو أمره وقدرته ، قاله قطرب وغيره ، والدك : مصدر بمعنى المفعول ، أي : جعله مدكوكا مدقوقا فصار ترابا. هذا على قراءة من قرأ دكا بالمصدر ، وهم أهل المدينة وأهل البصرة ، وأما على قراءة أهل الكوفة (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) على التأنيث ، والجمع دكاوات كحمراء وحمراوات ، وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض أو للأرض المستوية ، فالمعنى : أن الجبل صار صغيرا كالرابية أو أرضا مستوية. قال الكسائي : الدك : الجبال العراض ، واحدها أدك. والدكاوات جمع دكاء ، وهي رواب من طين ليست بالغلاظ ، والد كادك : ما التبد من الأرض فلم يرتفع ، وناقة دكاء : لا سنام لها (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) أي : مغشيا عليه مأخوذا من الصاعقة ، والمعنى : أنه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له. يقال صعق الرجل فهو صعق ومصعوق : إذا أصابته الصاعقة (فَلَمَّا أَفاقَ) من غشيته (قالَ سُبْحانَكَ) أي : أنزهك تنزيها من أن أسأل شيئا لم تأذن لي به (تُبْتُ إِلَيْكَ)
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
