هذا الأمر خاصّ بمن كان محدثا. وقال آخرون : المراد إذا قمتم من النوم إلى ـ الصلاة ، فيعمّ الخطاب كل قائم من نوم. وقد أخرج مسلم وأحمد وأهل السنن عن بريدة قال : كان النبيّ صلىاللهعليهوسلم يتوضّأ عند كلّ صلاة ، فلما كان يوم الفتح توضأ ، ومسح على خفّيه ، وصلّى الصّلوات بوضوء واحد ، فقال له عمر : يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله ، فقال : «عمدا فعلته يا عمر». وهو مرويّ من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى. وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول : كان النّبي صلىاللهعليهوسلم يتوضّأ عند كلّ صلاة ، قال : قلت : فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال : كنّا نصلّي الصّلوات بوضوء واحد ما لم نحدث. فتقرر بما ذكر أنّ الوضوء لا يجب إلا على المحدث ، وبه قال جمهور أهل العلم وهو الحق. قوله : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة ، وهو عضو مشتمل على أعضاء ، وله طول وعرض ، فحدّه في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين ، وفي العرض من الأذن إلى الأذن ، وقد ورد الدليل بتخليل اللحية. واختلف العلماء في غسل ما استرسل ، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه. وقد اختلف أهل العلم أيضا : هل يعتبر في الغسل الدلك باليد أم يكفي إمرار الماء؟ والخلاف في ذلك معروف ، والمرجع اللغة العربية ؛ فإن ثبت فيها أن الدّلك داخل في مسمّى الغسل كان معتبرا وإلا فلا. قال في شمس العلوم : غسل الشيء غسلا إذا أجرى عليه الماء ودلكه ، انتهى. وأما المضمضة والاستنشاق ، فإذا لم يكن لفظ الوجه يشمل باطن الفم والأنف فقد ثبت غسلهما بالسّنة الصحيحة ، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف. وقد أوضحنا ما هو الحق في مؤلفاتنا. قوله : (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) إلى الغاية ، وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحلّ خلاف. وقد ذهب سيبويه وجماعة إلى أنّ ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل وإلا فلا ؛ وقيل : إنها هنا بمعنى مع. وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقا ، وأما الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدّليل. وقد ذهب الجمهور إلى أن المرافق تغسل ؛ واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جدّه عن جابر بن عبد الله قال : «كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم إذا توضّأ أدار الماء على مرفقيه». ولكن القاسم هذا متروك ، وجدّه ضعيف. قوله : (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) قيل : الباء زائدة ، والمعنى : امسحوا رؤوسكم ، وذلك يقتضي تعميم المسح لجميع الرأس ، وقيل : هي للتبعيض ، وذلك يقتضي أنه يجزئ مسح بعضه. واستدل القائلون بالتعميم بقوله تعالى في التيمم : (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) ولا يجزئ مسح بعض الوجه اتّفاقا ؛ وقيل : إنها للإلصاق ؛ أي ألصقوا أيديكم برءوسكم ، وعلى كلّ حال فقد ورد في السّنة المطهرة ما يفيد أنه يكفي مسح بعض الرأس كما أوضحناه في مؤلفاتنا ، فكان هذا دليلا على المطلوب غير محتمل كاحتمال الآية على فرض أنها محتملة ، ولا شك أنّ من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلا بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح ، وليس في لغة العرب ما يقتضي أنه لا بدّ في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس ، وهكذا سائر الأفعال المتعدية نحو اضرب زيدا أو اطعنه أو ارجمه ، فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب أو الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه ، ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد ، وكذلك
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
