هذا شروع في بيان ما أحله الله لهم بعد بيان ما حرمه الله عليهم ، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية. قوله : (ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ) أي شيء أحلّ لهم؟ أو ما الذي أحلّ لهم من المطاعم إجمالا ومن الصيد ومن طعام أهل الكتاب ومن نسائهم؟ قوله : (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) هي ما يستلذّه آكله ويستطيبه مما أحله الله لعباده ؛ وقيل : هي الحلال ، وقد سبق الكلام في هذا ؛ وقيل : الطّيبات : الذبائح لأنها طابت بالتّذكية ، وهو تخصيص للعام بغير مخصص ، والسبب والسّياق لا يصلحان لذلك. قوله : (وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) هو معطوف على الطيبات بتقدير مضاف لتصحيح المعنى : أي أحلّ لكم الطيبات وأحلّ لكم صيد ما علمتم من الجوارح. وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية (عَلَّمْتُمْ) بضم العين وكسر اللام : أي علمتم من أمر الجوارح والصيد بها. قال القرطبي : وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدلّ على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح ، وهو يتضمّن الكلب وسائر جوارح الطير ، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدلّ على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصّه الدليل : وهو الأكل من الجوارح. أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير. قال : أجمعت الأمة على أنّ الكلب إذا لم يكن أسود ، وعلمه مسلم ولم يأكل من صيده الذي صاده ، وأثر فيه بجرح أو تنييب ، وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف. فإن انخزم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف ، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبه ، وكالبازي والصّقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب ، يقال : جرح فلان واجترح : إذا اكتسب ، ومنه الجارحة لأنه يكتسب بها ، ومنه اجتراح السيئات ، ومنه قوله تعالى : (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) (١). وقوله : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ) (٢). قوله : (مُكَلِّبِينَ) حال ، والمكلّب : معلم الكلاب لكيفية الاصطياد ، والأخصّ معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله ، لأنّ الاصطياد بالكلاب هو الغالب ، ولم يكتف بقوله : (وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) مع أنّ التكليب هو التعليم ، لقصد التأكيد لما لا بدّ منه من التعليم ؛ وقيل : إن السبع يسمى كلبا فيدخل كل سبع يصاد به ؛ وقيل : إن هذه الآية خاصة بالكلاب. وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال : ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطّير فما أدركت ذكاته فهو لك حلال ، وإلا فلا تطعمه. قال ابن المنذر : وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحلّ صيده؟ قال : لا ، إلا أن تدرك ذكاته. وقال الضحاك والسديّ (وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ) هي الكلاب خاصة ، فإن كان الكلب الأسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي. وقال أحمد : ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ، وبه قال ابن راهويه. فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كلّ كلب معلم ، واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلىاللهعليهوسلم : «الكلب الأسود شيطان». أخرجه مسلم وغيره ، والحق أنه يحلّ صيد كلّ ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب وغيره وبين الأسود من الكلاب وغيره وبين الطير وغيره ، ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عديّ بن حاتم عن صيد البازي كما سيأتي. قوله : (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ) الجملة في محل نصب على الحال : أي مما علّمكم الله مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل الذي تهتدون به
__________________
(١). الأنعام : ٦٠.
(٢). الجاثية : ٢١.
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
