(أ) تمجيد الله وتعظيمه بذكر صفاته ، وخضوع المخلوقات من إنس ، وجن ، وسماء ، وأرض ، له ، وتسبيحها بحمد الله ، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء : ٤٤].
(ب) اختيار رسول الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور من جنس العرب ؛ ليتلو عليهم آيات الله.
(ج) رحمة الله شملت غير العرب الذين آمنوا ، ومن بقى من أمة محمد من الأجيال اللاحقة.
(د) أسبغ الله نعما كثيرة على عباده الذين أراد لهم الهداية ، وجدير بمن يعرف هذه النعم أن يوفيها حقها من الذكر ، وحق موجدها بالطاعة والعبادة والتوحيد ، حتى يكون من جملة المسبحين والمعترفين بفضل الله.
أما أولئك القوم الذين ضرب بهم المثل من اليهود الذين كانوا فى عصر الرسول ، وعرفوا حقيقته من الآيات التى بين أيديهم التى تحويها التوراة ، وما عرفوه من علامات ، حتى أنهم كانوا يستفتحون على غيرهم من الكفار بأنهم سيتبعون الرسول الذى سيرسل ، وسيكونون عونا له عليهم ، فلما أرسل الله محمدا ، عليه الصلاة والسلام ، إذا بهم ينكرون الرسالة ويحاربونه أشد محاربة ؛ لأنهم كانوا يحسبونه من قومهم ومن جنسهم.
هؤلاء القوم الذين كلفوا العمل بالتوراة ، ولم يؤمنوا بمحمد ، ولجأوا إلى التأويل والتحريف والتبديل ، ضرب الله لهم المثل بالحمار الذى يحمل فوق ظهره كتبا تحوى كنوز المعرفة واليقين ، ولا يدرى عنها شيئا ، ولا ينال من حملها إلا الثقل دون فائدة ، بل هم أسوأ حالا من الحمار ؛ لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها.
وفى هذا التصوير القرآنى دعوة واضحة لكل ذى لب أن يستوعب علم ما يحمل ، وأن يتفهم جوانبه وأهدافه ومراميه ، حتى لا يلحقه الندم من جراء جهله بما معه ، والذم ممن يراه ، وأن يعمل بمقتضى ما فيه من نهج صالح ، ودعوة بناءة فى الحياة الدنيا ، وسعادة فى الآخرة.
إنها دعوة المعرفة التى تنتظم جوانب النفس ، وجوانب المجتمع والحياة زراعة ، صناعة ، تجارة ، حتى تصل إلى كفايتها التى تطمح إليها ، ثم تصل فى نهايتها إلى المعرفة
