والاحتمالات في الآية الكريمة ثلاثة : الاول : إن تكون الآية الشريفة مقولة قول اليهود ، ومن مزاعمهم الفاسدة ، ويؤيده ذيل الآية المباركة (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الذي هو في مقام الرد عليهم بالرجوع إلى توراتهم. فيصير معنى الآية : ان بعض اهل الكتاب قالوا ان جميع المطعومات كانت حلالا لبني إسرائيل قبل ان تحرم التوراة بعضا منها واستثنوا من ذلك ما حرمه إسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة ، فنزلت هي بتحريمه. وجميع ذلك كذب منهم وافتراء ، فان التوراة حرمت الرجس عليهم كما في العدد الثالث من الفصل الرابع من سفر التثنية ، ونصت في الفصل الحادي عشر من سفر اللاويين على حرمة الحيوانات البرية والمائية والطيور ، فكيف يكون الرجس حلالا عليهم قبل نزول التوراة ، كما ان التوراة لم تذكر ان إسرائيل حرم على نفسه شيئا كما عرفت آنفا فما ذكروه افتراء وكذب.
الثاني : ان تكون الآية جملة خبرية في مقام الإنشاء ، وهذا كثير شايع في المحاورة ، واعتمد عليه في علم الأصول ، نظير قوله تعالى (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ) البقرة ـ ٧٤ وغير ذلك. وحينئذ فالآية في مقام الاستفهام الانكاري حذفت منه اداة الاستفهام لدلالة المقام عليه ، فيكون قوله تعالى : (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) تفسيرا واثباتا لمضمونها.
الثالث : ان يكون قوله تعالى : (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ) حكاية عن قول اليهود الذي أوردته لإلقاء الشبهة على المؤمنين ، ونفي كون الإسلام دين الفطرة وعلى ملة ابراهيم ، وهي ان الرسول لو كان صادقا لما اخبر بالنسخ
![مواهب الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مواهب الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3959_mawaheb-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
