إن النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين سواء كان ذلك سرّا أو جهرا ، وبه قال الزجاج. قوله :
(بِصَدَقَةٍ) الظاهر أنها صدقة التطوّع ، وقيل : إنها صدقة الفرض. والمعروف : صدقة التطوّع ، والأوّل أولى. والمعروف : لفظ عام يشمل جميع أنواع البرّ. وقال مقاتل : المعروف هنا : القرض. والأوّل أولى ، ومنه قول الحطيئة :
|
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه |
|
لا يذهب العرف بين الله والنّاس |
ومنه الحديث : «كلّ معروف صدقة ، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق» ، وقيل : المعروف : إغاثة الملهوف. والإصلاح بين الناس عامّ في الدماء والأعراض والأموال ، وفي كل شيء يقع التداعي فيه. قوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) إشارة إلى الأمور المذكورة ، جعل مجرّد الأمر بها خيرا ، ثم رغب في فعلها بقوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) لأن فعلها أقرب إلى الله من مجرّد الأمر بها ، إذ خيرية الأمر بها إنما هي لكونه وسيلة إلى فعلها. قوله : (ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) علة للفعل ، لأن من فعلها لغير ذلك فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء ، بل قد يكون غير ناج من الوزر ، والأعمال بالنيات (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) المشاققة : المعاداة والمخالفة. وتبين الهدى : ظهوره ، بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك ثم يفعل المشاققة (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) أي : غير طريقهم ، وهو ما هم عليه من دين الإسلام ، والتمسك بأحكامه (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) أي : نجعله واليا لما توالاه من الضلال (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) قرأ عاصم ، وحمزة ، وأبو عمرو : نولّه ونصله بسكون الهاء في الموضعين. وقرأ الباقون : بكسر هما ، وهما لغتان ، وقرئ : ونصله بفتح النون من صلاه ، وقد تقدّم بيان ذلك. وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله : (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) ولا حجة في ذلك عندي ، لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا : هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره ، كما يفيده اللفظ ، ويشهد به السبب ، فلا تصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية ؛ اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام ؛ فأدّاه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين ، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين ، وهو الدين القويم والملة الحنيفية ولم يتبع غير سبيلهم.
وقد أخرج عبد بن حميد ، والترمذي ، وابن ماجة ، وغيرهم عن أمّ حبيبة قالت : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «كلام ابن آدم كلّه عليه لا له ، إلا أمرا بمعروف ، أو نهيا عن منكر ، أو ذكرا لله عزوجل». قال سفيان الثوري : هذا في كتاب الله (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) الآية ، وقوله : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً) (١) ، وقوله : (وَالْعَصْرِ ـ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ـ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) (٢). وقد وردت أحاديث صحيحة في الصمت والتحذير من آفات اللسان والترغيب في حفظه ، وفي الحثّ على الإصلاح بين الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) تصدق أو أقرض أو أصلح بين الناس. وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن أنس قال : «جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : إن الله
__________________
(١). النبأ : ٣٨.
(٢). العصر : ١ ـ ٣.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
