هم أحياء لم يموتوا ، وهذا أقوى ، لأن معناه أوسع ، وفائدته أكثر ، واللفظ يحتمله ، بل هو الظاهر ، وبه قال الزجاج وابن فورك. وقوله : (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) بدل من : الّذين ، أي يستبشرون بهذه الحالة الحاصلة لإخوانهم من أنه لا خوف عليهم ولا حزن ، وأن : هي المخففة من الثقيلة ، واسمها : ضمير الشأن المحذوف ، وكرر قوله : (يَسْتَبْشِرُونَ) لتأكيد الأوّل ولبيان أن الاستبشار ليس لمجرد عدم الخوف والحزن ، بل به وبنعمة الله وفضله. والنعمة : ما ينعم الله به على عباده. والفضل : ما يتفضل به عليهم ، وقيل : النعمة : الثواب. والفضل : الزائد ؛ وقيل : النعمة : الجنة ، والفضل داخل في النعمة ، ذكر بعدها لتأكيدها ؛ وقيل : إن الاستبشار الأوّل : متعلق بحال إخوانهم ، والاستبشار الثاني : بحال أنفسهم. قوله : (وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) قرأ الكسائي : بكسر الهمزة من : أن ، وقرأ الباقون : بفتحها ، فعلى القراءة الأولى : هو مستأنف اعتراض. وفيه دلالة : على أن الله لا يضيع أجر شيء من أعمال المؤمنين ، ويؤيده قراءة ابن مسعود : والله لا يضيع أجر المؤمنين. وعلى القراءة الثانية : الجملة عطف على فضل ، داخلة في جملة ما يستبشرون به. وقوله : (الَّذِينَ اسْتَجابُوا) صفة للمؤمنين ، أو بدل منهم ، أو : من الذين لم يلحقوا بهم ، أو : هو مبتدأ ، خبره : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) بجملته ، أو : منصوب على المدح ، وقد تقدم تفسير القرح. قوله : (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ) المراد بالناس هنا : نعيم بن مسعود كما سيأتي بيانه ، وجاز إطلاق لفظ الناس عليه : لكونه من جنسهم ؛ وقيل : المراد بالناس : ركب عبد القيس الذين مروا بأبي سفيان ؛ وقيل : هم المنافقون. والمراد بقوله : (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) أبو سفيان وأصحابه ، والضمير في قوله : (فَزادَهُمْ) راجع إلى القول المدلول عليه ، بقال ، أو إلى المقول ، وهو (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) أو إلى القائل ؛ والمعنى : أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك ولا التفتوا إليه ، بل أخلصوا لله ، وازدادوا طمأنينة ويقينا. وفيه دليل : على أن الإيمان يزيد وينقص. قوله : (وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) حسب : مصدر حسبه ، أي : كفاه ، وهو بمعنى الفاعل ، أي : محسب : بمعنى كافي. قال في الكشاف : والدليل على أنه بمعنى المحسب : أنك تقول : هذا رجل حسبك ، فتصف به النكرة ، لأن إضافته لكونه بمعنى اسم الفاعل غير حقيقية. انتهى. والوكيل : هو من توكل إليه الأمور ، أي : نعم الموكول إليه أمرنا ، أو الكافي ، أو الكافل والمخصوص بالمدح محذوف ، أي : نعم الوكيل الله سبحانه. قوله : (فَانْقَلَبُوا) هو معطوف على محذوف ، أي : فخرجوا إليهم فانقلبوا بنعمة ، هو متعلق بمحذوف وقع حالا. والتنوين للتعظيم ، أي : رجعوا متلبسين (بِنِعْمَةٍ) عظيمة وهي السلامة من عدوهم وعافية (وَفَضْلٍ) أي : أجر تفضل الله به عليهم ؛ وقيل : ربح في التجارة ؛ وقيل : النعمة خاصة بمنافع الدنيا ، والفضل بمنافع الآخرة ، وقد تقدّم تفسيرهما قريبا بما يناسب ذلك المقام ، لكون الكلام فيه مع الشهداء الذين قد صاروا في الدار الآخرة ، والكلام هنا مع الأحياء. قوله : (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) في محل نصب على الحال ، أي : سالمين عن سوء ، لم يصبهم قتل ، ولا جرح ، ولا ما يخافونه (وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ) في ما يأتون ويذرون ، ومن ذلك : خروجهم لهذه الغزوة (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه ، ومن تفضله عليهم :
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
