مُؤْمِنِينَ (١٧٥))
لما بيّن الله سبحانه : أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحانا ليتميز المؤمن من المنافق ، والكاذب من الصادق ، بين هاهنا أن من لم ينهزم وقتل فله هذه الكرامة والنعمة ، وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون ، لا مما يخاف ويحذر ، كما قالوا من حكى الله عنهم : (لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا) وقالوا : (لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا) فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى ، والخطاب لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، أو لكل أحد ، وقرئ : بالياء التحتية ؛ أي : لا يحسبن حاسب.
وقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية من هم؟ فقيل : في شهداء أحد ، وقيل : في شهداء بدر ، وقيل : في شهداء بئر معونة. وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومعنى الآية عند الجمهور : أنهم أحياء حياة محققة. ثم اختلفوا ؛ فمنهم من يقول أنها تردّ إليهم أرواحهم في قبورهم فيتنعمون. وقال مجاهد : يرزقون من ثمر الجنة ، أي : يجدون ريحها وليسوا فيها ، وذهب من عدا الجمهور : إلى أنها حياة مجازية ، والمعنى : أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة ، والصحيح الأوّل ، ولا موجب للمصير إلى المجاز. وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم في أجواف طيور خضر ، وأنهم في الجنة يرزقون ، ويأكلون ، ويتمتعون ، وقوله : (الَّذِينَ قُتِلُوا) هو المفعول الأوّل. والحاسب هو النبي صلىاللهعليهوسلم ، أو كل أحد كما سبق ؛ وقيل : يجوز أن يكون الموصول هو فاعل الفعل ، والمفعول الأوّل محذوف ، أي : لا تحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا ، وهذا تكلف لا حاجة إليه ، ومعنى النظم القرآني في غاية الوضوح والجلاء. وقوله : (بَلْ أَحْياءٌ) خبر مبتدأ محذوف ، أي : بل هم أحياء. وقرئ بالنصب على تقدير الفعل ، أي : بل احسبهم أحياء. وقوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) إما خبر ثان ، أو صفة لأحياء ، أو في محل نصب على الحال ؛ وقيل : في الكلام حذف ، والتقدير : عند كرامة ربهم. قال سيبويه : هذه عندية الكرامة ، لا عندية القرب. وقوله : (يُرْزَقُونَ) يحتمل في إعرابه الوجوه التي ذكرناها في قوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) والمراد بالرزق هنا : هو الرزق المعروف في العادات على ما ذهب إليه الجمهور كما سلف ، وعند من عدا الجمهور المراد : الثناء الجميل ، ولا وجه يقتضي تحريف الكلمات العربية في كتاب الله تعالى وحملها على مجازات بعيدة ، لا لسبب يقتضي ذلك. وقوله : (فَرِحِينَ) حال من الضمير في يرزقون ، وبما آتاهم الله من فضله : متعلق به. وقرأ ابن السميقع : «فارحين» وهما لغتان ، كالفره والفاره ، والحذر والحاذر. والمراد : (بِما آتاهُمُ اللهُ) ما ساقه الله إليهم من الكرامة بالشهادة ، وما صاروا فيه من الحياة ، وما يصل إليهم من رزق الله سبحانه. (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) من إخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا إذ ذاك. فالمراد باللحوق هنا : أنهم لم يلحقوا بهم في القتل والشهادة ، بل سيلحقون بهم من بعد ، وقيل : المراد : يلحقوا بهم في الفضل وإن كانوا أهل فضل في الجملة ، والواو : في (وَيَسْتَبْشِرُونَ) ، عاطفة على (يُرْزَقُونَ) أي : يرزقون ويستبشرون ؛ وقيل : المراد بإخوانهم هنا : جميع المسلمين الشهداء وغيرهم ، لأنهم عاينوا ثواب الله ؛ وحصل لهم اليقين بحقية دين الإسلام ؛ استبشروا بذلك لجميع أهل الإسلام الذين
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
