تكثير سواد المسلمين ؛ وقيل : معناه : رابطوا ، والقائل للمنافقين هذه المقالة التي حكاها الله سبحانه هو : عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري والد جابر بن عبد الله. قوله : (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ) أي : هم في هذا اليوم الذي انخذلوا فيه عن المؤمنين إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان عند من كان يظن أنهم مسلمون ، لأنهم قد بينوا حالهم ، وهتكوا أستارهم ، وكشفوا عن نفاقهم إذ ذاك ؛ وقيل : المعنى : أنهم لأهل الكفر يومئذ أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان. قوله : (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) جملة مستأنفة ، مقررة لمضمون ما تقدّمها ، أي : أنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ، وذكر الأفواه للتأكيد ، مثل قوله : (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) (١). قوله : (الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ) إلخ ، أي : هم الذين قالوا لإخوانهم ، على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ويجوز أن يكون بدلا من : واو يكتمون ، أو منصوبا على الذمّ ، أو وصف للذين نافقوا. وقد تقدم معنى (قالُوا لِإِخْوانِهِمْ) أي : قالوا لهم ذلك ، والحال أن هؤلاء القائلين قد قعدوا عن القتال (لَوْ أَطاعُونا) بترك الخروج من المدينة ما قتلوا ، فردّ الله ذلك عليهم بقوله : (قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) والدرء : الدفع ، أي : لا ينفع الحذر من القدر ، فإن المقتول يقتل بأجله.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) الآية. يقول : إنكم قد أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد ، وقد بين هذا عكرمة. فأخرج ابن جرير عنه قال : قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين ، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : لما رأوا من قتل منهم يوم أحد قالوا من أين هذا؟ ما كان للكفار أن يقتلوا منا ، فلما رأى الله ما قالوا من ذلك ، قال الله : هم بالأسرى الذين أخذتم يوم بدر. فردّهم الله بذلك ، وعجل لهم عقوبة ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة ، والترمذي ، وحسنه ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن مردويه عن عليّ قال : جاء جبريل إلى النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : يا محمد! إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى ، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين : إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم ، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم ، فدعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم الناس فذكر ذلك لهم ، فقالوا : يا رسول الله! عشائرنا وإخواننا ، لا ، بل نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدوّنا ويستشهد منا عدتهم ، فليس في ذلك ما نكره ، فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر. وهذا الحديث في سنن الترمذي ، والنسائي هو من طريق أبي داود الحفري عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن سفيان بن سعيد ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة عن عليّ : قال الترمذي بعد إخراجه : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وروى أبو أسامة عن هشام نحوه. وروي عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، عن النبي صلىاللهعليهوسلم مرسلا ، وإسناد ابن جرير لهذا الحديث هكذا : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن عون قال سنيد : وهو حسين ، وحدثني حجاج عن جرير ، عن محمد ، عن عبيدة ، عن علي فذكره. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة ، حدثنا قراد ابن نوح ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل ، حدثني ابن عباس عن عمر بن الخطاب
__________________
(١). الأنعام : ٣٨.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
